الانتفاء ، ولا بأن يختصّ عنّا أولى من غيرها ، ولهذا قلنا : إنّه لا بدّ من وجه يجري مجرى العلّة ، وإن لم تكن علّة على التحقيق ؛ لأنّ العلّة هي المعنى المحدث الموجب للصفة لغيره ، والوجه ما يجب الحكم لأجله وليس لمعنى ، فأمّا الشرط فهو ما تقف الصفة أو الحكم عليه ممّا لا يمكن كونه مقتضيا له ، ولهذا كان وجود الجوهر شرطا في تحيّزه لما وقف التحيّز عليه ، وكان وجود المدرك وارتفاع الموانع شرطا في الإدراك ، لما وقف الإدراك عليه ، ولم يجز أن يكون ذلك يقتضي كون المدرك مدركا ، لانفصاله عنه .
ولم يبق الآن إلّا أن نبيّن الوجوه التي لا تقبّح القبائح .
والقبائح على ضربين : عقلي وسمعي .
فالعقلي : يقبح لوجوه « 1 » معلومة على سبيل التفصيل ، نحو كون الظلم ظلما ، والكذب كذبا ، ونحو كون الفعل إرادة القبيح ، وأمرا بالقبيح وجهلا وكفرا بالنعمة وتكليفا لما لا يطاق ، إلى ما شاكل ذلك .
والسمعي : وإن لم يعلم وجه قبحه على التفصيل ، فمعلوم أنّه إنّما يقبح لكونه مفسدة ، ويكون كذلك بأن يؤدّي إلى الإقدام على القبيح ، أو إلى الانتهاء عن الواجب ، بأن « 2 » يدعو إلى القبيح أو يصرف عن فعل الواجب ، إلّا الوجه الذي يختصّ به في نفسه .
واعلم أنّ القبيح لا يعلمه قبيحا ، إلّا من علم قبحه إمّا على جملة أو على تفصيل ، يدلّ على ذلك إنّا قد نعلم الفعل ولا نعلمه قبيحا ، فمتى علمنا أنّه ظلم أو كفر لنعمة أو غير ذلك من وجوه القبائح ، علمنا قبحه لا محالة ، فثبت أنّ وجه القبح لا بدّ من أن يعلمه من علم قبحه .
والقول في القبائح الشرعيّة كذلك ؛ لأنّ الحكيم إذا نهى عنها ، دلّ نهيه على أنّ لها وجه قبح على الجملة ، فمن عرف قبحها بالنهي ، لا بدّ من أن يكون عارفا بأنّ لها على الجملة وجه قبح ، وليس يجري القبيح ووجه قبحه فيما ذكرناه مجرى المتحرّك ، في أنّه قد يعلمه متحرّكا من لا يعلم « 3 » حركته لا جملة ولا تفصيلا ، وذلك أنّ العلم بالحكم إذا لم يسبق العلم بالوجه المؤثّر فيه ، فإنّما يحتاج إلى الاستدلال على أنّ ذلك الوجه هو العلّة فيه لا إلى
هامش
( 1 ) . في الأصل : بوجوه .
( 2 ) . في الأصل : فأن .
( 3 ) . في الأصل : يعلمه .