ضرورة [ نعلم ] أنّ قوله أمر بالقبيح ، وكذلك قد يعلم أحدنا في قتله لمن لا يعلمه مستحقّا للقتل أنّه بصفة القتل « 1 » .
وأمّا العلم باعتبار ، فهو أن يشاهد زيدا يؤلم عمروا ، فإذا اعتبرنا وعلمنا قبحه « 2 » ، كان العلم بالقبيح المعيّن لا يكون إلّا مكتسبا ، كما أنّ العلم بالجملة لا يكون إلّا ضروريا .
فأمّا ما يعلم قبحه باستدلال ، فمثاله الكذب الذي يجرّ به النفع ، أو يدفع به الضرر ؛ لأنّ المعلوم باضطرار ما هو قبح الكذب الذي لا يقع فيه خلاف نفع ولا دفع ضرر ، فإذا اعتبرنا ما له قبح ذلك ، وعلمنا أنّه إنّما قبح لكونه كذبا لا لتعرّيه من النفع ودفع الضرر ، بدلالة أنّه لو قبح لتعريه لجرى مجرى الصدق في أنّه يجب أن يقبح متى كان كذلك ، وكان يجب أن يستويا فيما له يختار الأفعال ، ولجاز أن يختار العاقل العالم لحالهما الكذب على الصدق ، متى توصّل كلّ واحد منهما من النفع إلى مثل ما يتوصّل الآخر إليه ، كما جاز أن يختار الصدق على الكذب ، فلمّا لم يختر ذلك ، علم أنّ كونه كذبا هو وجه قبحه ، فيحمل عليه كلّ كذب ، ويحكم بقبح الجميع .
فأمّا / 82 / الكلام فيما له يقبح القبيح : فالأصل فيه أن نبيّن أنّ القبيح إنّما يختصّ بكونه كذلك ، لصفة « 3 » فارقت بها ما ليس بقبيح ، ثم نبيّن أنّه لا بدّ من وجه يقتضي كونه على تلك الصفة ، [ و ] نبيّن ما تلك الوجوه التي « 4 » تدلّ على الأوّل ، أنّ القبيح إذا كان ممّا يستحقّ به فاعله الذمّ وليس له أن يفعله ، وفارق بذلك الحسن الذي لا يستحقّ به الذمّ ولفاعله أن يفعله ، فلا بدّ من صفة اختصّ بها لأجلها وقعت المفارقة ، كما قلنا في من صحّ منه الفعل لمّا فارق من تعذّر عليه .
يوضّح ذلك : إنّ الجنس الواحد قد يفترق في كونه قبيحا وحسنا ، فلو لم يكن القبيح صفة فارق بها ما هو من جنسه ، لم يكن بالقبح أولى منه .
فأمّا الذي يدلّ على أنّه لا بدّ من وجه ، فهو أنّه إذا ثبت اختصاصه بصفة في كونه قبيحا ، فلا بدّ من مقتض لتلك الصفة ؛ لأنّه [ لو ] لم يقتضها مقتض لم يكن بالثبوت أولى من
هامش
( 1 ) . في الأصل : المثل .
( 2 ) . في الأصل : + و .
( 3 ) . في الأصل : لصفت .
( 4 ) . في الأصل : الذي .