وما قدّمناه من الكلام يفسد الجميع .
وممّا يبطل كون إرادتهما واحدة ، خاصّة أنّ أحدنا إنّما يريد بإرادة توجد في قلبه ، والقديم تعالى إنّما يريد بإرادة توجد لا في محلّ ، على ما يستدلّ عليه من بعد ، فكيف يجوز على هذا أن تكون إرادتهما واحدة ؟
ولو جاز أن يريد بإرادته تعالى الموجودة لا في محلّ عيسى ، لم يكن بأن يتعلّق به أولى من أن يتعلّق بغيره من الأحياء ، لفقد الاختصاص ، وهذا يقتضي أنّ جميع الأحياء يريدون بإرادته تعالى ، وذلك يؤدّي إلى امتناع إرادة القبيح على أحدنا ؛ لأنّ القديم تعالى كان لذلك القبيح [ كارها و ] كراهته « 1 » يتعلّق بهذا الحيّ ، فيؤدّي إلى كونه مريدا للشيء كارها له في جميع الحال الواحدة .
على أنّ هذا يقتضي كونه متّحدا بجميع الأحياء ، ويبطل اختصاصهم عيسى بذلك « 2 » ، وليس يجوز أن [ يريد ] القديم تعالى بإرادة عيسى الموجودة في قلبه ؛ لأنّه لا اختصاص لها به تعالى ، ولو جاز أن يريد بما في قلبه ، لجاز أن يعلم بما في قلبه من العلوم ، وكذلك القول في الجهل والسهو وسائر المتعلّقات ؛ لأنّ ما يقتضي تعلّق الكلّ أو يمتنع مثلا واحد .
ويوجب أيضا أن يريد بإرادة غير عيسى من الأحياء ، ويتعلّق به ما يوجد في قلوبهم ، وهذا يقتضي كونه مريدا للقبيح إذا أراده بعض الأحياء ، ويمنع من كون أحدنا مريدا لما غيره كارها له ، وعالما بما غيره جاهلا « 3 » به ؛ لأنّ في تجويز ذلك مع تعلّق ما في قلوبنا به تعالى ما يوجب كونه تعالى مريدا كارها للشيء الواحد في الحال الواحدة ، وكذلك القول في العلم والجهل .
ويوجب أيضا ما قدّمناه من أنّ الإيجاد الذي ادّعوه عام لجميع الأحياء ، غير مختصّ بعيسى .
فأمّا قولهم : إنّ الذاتين صارتا واحدة ، ممّا لا يعقل ولا يصحّ أن يعتقده عاقل ؛ لأنّ الشيئين « 4 » يستحيل أن يصيرا شيئا واحدا على قولهم الحقيقة ، كما يستحيل في الشيء الواحد أن يصير شيئين ، وأبعد من ذلك أشدّ استحالة ، أن يصير المحدث قديما ؛ لأنّ
هامش
( 1 ) . في الأصل : بكراهة .
( 2 ) . في الأصل : لذلك .
( 3 ) . في الأصل : جاهل .
( 4 ) . في الأصل : السين .