فأمّا إبطال قولهم في عبادة الكواكب : فالأصل فيه أنّ العبادة إذا كانت ، إنّما تستحقّ بنعم مخصوصة على ما ذكرنا في الردّ على النصارى ، فمن ليس بحيّ ولا قادر كيف يصحّ عبادته ؟ ولو كانت النجوم أيضا حيّة قادرة لم يجز أن ينعم بما يستحقّ من أجله العبادة ؛ لأنّ الجسم لا يقدر إلّا بقدرة ، والقادر بقدرة لا يصحّ منه فعل الأجسام والحياة والشهوات ، وسائر ما عددناه ممّا يفعله مستحقّ العبادة .
وآكد ما دلّ على أنّ الكواكب غير حيّة ولا قادرة السمع ، فإنّ ذلك معلوم من دين نبيّنا - صلّى اللّه عليه [ وآله ] - ، ولا خلاف بين الأمّة فيه ، وفي أنّ اللّه تعالى هو الذي يصرّفها ويحرّكها ، وأنّه لا تصريف لها في نفوسها .
وقد استدلّ أيضا على أنّها غير حيّة : إنّ فرط الحرارة لا يجوز أن يثبت مع الحياة ، وأنّ ما كان في الحرارة كالنار لا يجوز أن يكون حيّا ؛ لأنّ حرارة النار تفرق البنية ، وبتفريقها تبطل الحياة .
وقد علمنا أنّ حرارة الشمس أعظم كثيرا من حرارة النار ، بدلالة أنّها تؤثر مع البعد ولا تؤثر النار مع « 1 » القرب ، وإذا لم تثبت الحياة مع حرارة النار ، فأولى أن لا تثبت مع ما هو أشدّ حرارة منها ، وإذا لم تكن حيّة فليست قادرة ، وكيف تكون النجوم قادرة مع أنّ تصرّفها تجري على طريقة واحدة من غير اختلاف ؟ ومن شأن القادر أن يختلف دواعيه ، ولا يجب اتّفاقها ، ووقوع أفعاله على نمط واحد ، ولولا ما ذكرناه لما انفصل المسخّر من المختار .
ولو سلم أنّها قادرة لم تجز عبادتها ، لما ذكرناه من استحالة وقوع ما به يستحقّ العبادة من جهتها على أنّها أجسام ، والجسم لا يصحّ أن يفعل في غير محلّ قدرته إلّا بالمماسّة ، وقد علم أنّ الكواكب غير مماسّة لنا ، فكيف يفعل فينا ؟ وليس يجوز أن نجعل مماسّتها للهواء الذي مماسّنا .
وأيضا : إنّ شعاعها بنا يقوم مقام المماسّة لنا ، وذلك أنّ الشعاع وكذلك الهواء جسمان لطيفان ، ولا يجوز أن يكونا آلة في فعل الجسم في غيره .
هامش
( 1 ) . في الأصل : من .