جماع ، ولا خلق من نطفة ، وكلّ هذا لا يشبه قولهم في النبوّة ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ تلك اللفظة لا تجوز على اللّه تعالى حقيقتها ولا مجازها .
وأمّا ما يذهبون إليه في الإيجاد ، فمنه ما يعقل وإن كان باطلا ، ومنه ما لا يعقل :
والمعقول : هو تفسيرهم لذلك بالحلول أو المجاورة أو الاتفاق في المشيّة ، حتى صار كلّ ما يشاء أحدهما يشاءه الآخر .
والذي لا يعقل : قولهم : إنّ الذاتين صارت واحدة ، وصار ما ليس بإله إلها ، وما كان محدثا قديما ، وقد مضى القول في القديم تعالى ، [ أنّه ] لا يجوز عليه الحلول ولا المجاورة مستقصى .
فأمّا الاتّفاق في المشيّة ، فأوّل ما فيه أنّ من حقّ كلّ حيّين صحّة كون أحدهما مريدا لما يكرهه الآخر أو لا يريده ، كما أنّ من حقّهما صحّة الاختلاف في الدواعي والأفعال ، ولولا ذلك لما تميّز الحيّ الواحد من الحيّين ، وهذا يبطل ما ادّعوه من وجوب اتّفاقهما في المشيّة .
على أنّ من حقّ المريد للشيء أن يكون عالما به أو في حكم العالم ، والقديم تعالى من حيث كان عالما لنفسه ، يعلم كلّ ما يكون في المستقبل من المصالح ، ويريد من ذلك ما يعلمه ، والمسيح - عليه السلام - يعلم بعلم ، وكما لا يعلم يجب أن يعلم كلّ شيء علمها للقديم تعالى ، فكذلك لا يختلف أن يريد كلّ ما يريده ! .
على أنّ هذا القول يقتضي أنّه متّحد بسائر الأنبياء ؛ لأنّ عيسى إنّما يجب له الموافقة في المشيّة من [ حيث ] كان نبيّا ، فليس هو بذلك أولى من غيره من الأنبياء .
على أنّ عيسى قد أراد الأكل والشرب وما شاكلهما من المباحات ، وأراد الصغائر من الذنوب على رأي كثير من الناس « 1 » ، والقديم تعالى لا يجوز أن يريد شيئا من ذلك ، لم لا يخلو من أوجب اتّفاقهم في الإرادة أن يجعل إرادتهما واحدة ، أو أن يثبت لهما إرادتين متغايرتين ؟
هامش
( 1 ) . هذا على رأي الأشاعرة وأهل الحديث ، وأما الإمامية فإنّهم يبرءون ساحة الأنبياء في الذنوب ، صغائرها وكبائرها .