وليس لأحد أن يقول : لولا أنّها مدبّرة للعالم ، لم يجز حدوث كثير من الحادثات فيه بحسب قربها وبعدها وحركاتها .
وذلك أنّ هذا لو صحّ على ما فيه من الدعوى ، لم يمتنع أن يكون القديم الحكيم تعالى أجرى العادة بأن يحدث الحوادث عند حركات الكواكب المخصوصة ، لما يعلمه من المصلحة ، كما أنّه تعالى قد أجرى العادة بأن يحدث الولد عند الوطي « 1 » ، ولم يدلّ ذلك على أنّه من فعل الواطي .
فصل في الكلام على من عبد الأصنام من جاهليّة العرب وغيرهم
اعلم أنّ العبادة إذا كانت لا تستحقّ إلّا بالنّعم المخصوصة ؛ لأنّها ضرب من الشكر وكيفية له ، والشكر لا يكون إلّا على النعم ، فمن المعلوم أنّ ما لا يصحّ منه النعمة لا يستحقّ العبادة ، كما لا يستحقّ الشكر .
وليس يجوز أن يعبد ليقرّب إلى اللّه تعالى على ما حكى عنهم ؛ لأنّ عبادة من ليس بمنعم يقبح ، كما يقبح شكره ، والقبيح لا يتقرّب به إلى اللّه تعالى ، بل هو أقوى ما يبعّد عنه ، ولو جاز أن يعبد تقرّبا إليه .
وليس جعل الجسم قبلة والسّجود [ إليه ] من العبادة في شيء ، فلذلك جوّزنا أن يتّخذ بعض الجماد قبلة ويصلى إليه ، إلّا أنّ ذلك وإن جاز عقلا ، فالعبادة به موقوفة على السمع ، كما أنّ الصلاة إلى جهة مخصوصة طريقها « 2 » الشرع .
هامش
( 1 ) . في الأصل : الوطء .
( 2 ) . في الأصل : طريق .