فإن قيل : فما معنى وصفكم أنتم له - عليه السلام - بأنّه روح اللّه وكلمته ؟
قلنا : معنى وصفه بأنّه روح ، أنّ الناس لمحيون به في أديانهم كما يحيون في أجسادهم بأرواحهم ، وهذا أحسن تشبيه وأبلغه !
وقيل أيضا : إنّ اللّه تعالى لما أجرى العادة بأن يخلق الأرواح في نطف الرجال ، / 79 / إذا استقرّت في أماكنها من النساء ، وخلق في مريم روحا وجسدا على خلاف مجرى العادة وبغير واسطة ، جاز أن يقال : إنّه روح اللّه ، وقد سمّى اللّه تعالى القرآن روحا وجبريل روحا ، ولم يكن في ذلك دليل على جواز التسمية بالنبوّة ، فكيف يصحّ الموصل بتسمية عيسى بأنّه روح اللّه ، إلى جواز وصفه بأنّه ابن اللّه ، تعالى اللّه عمّا يقول المبطلون علوّا كبيرا .
وأمّا معنى وصفه بأنّه « كلمة اللّه » ، فهو من حيث كان النّاس يهتدون به ، كما يهتدون بكلامه تعالى ، وهذا كما سمّى اللّه تعالى كلامه من حيث الاهتداء به والنجاة في الدين نورا وشفاء .
وقيل : إنّ معنى ذلك أنّه صار حملا من غير ذكر ، كأنّه قيل له : كن فكان من غير توسّط
هامش
- وقد أجيب عمّن تمسّك بقوله تعالىوَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ[ التوبة / 114 ] التي تنصّ على كفر آزر أبى إبراهيم ، بأنّه :
أوّلا : إنّ ابن حجر يدّعى إجماع المؤرّخين على أنّ آزر لم يكن أبا لإبراهيم ، وإنّما كان عمّه ، أو جدّه لأمّه على اختلاف النقل ( السيرة النبوية لزينى دحلان : 1 / 160 ، الدر المنثور للعاملى : 1 / 160 ) وأن اسم أبيه الحقيقي هو تارخ ( الدر المنثور : 1 / 160 ، تاريخ الخميس : 1 / 235 و 236 ) وإنّما أطلق عليه لفظ الأب توسّعا وتجوّزا كما في قوله تعالى( إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ )[ البقرة / 133 ] وليس إسماعيل في آبائه بل عمّه .
ثانيا : إنّ استغفار إبراهيم لأبيه كان في أوّل عهده وفي شبابه ، مع أنا نجد أنّه فيما بلغ من الكبر عتيا يستغفر لوالديه ويقول تعالى حكاية عنهرَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ[ إبراهيم / 41 ] مع أنّ الآية الأولى تفيد أنه استغفر له أوّلا ثم تبرّأ منه عاجلا ، والآية الأخيرة تفيد أنّه طلب له الغفران يوم يقوم الحساب .
ثالثا : إنّ بين الوالد والأب فرقا عند أهل اللّغة ، فإنّ الأب يطلق على المربّي وعلى العمّ والجدّ ، أمّا الوالد فإنّما يخصّ الوالد بلا واسطة ، فالاستغفار الثاني كان للوالد والأوّل كان للأب .
رابعا : لعلّ الذي يكون قد استغفر له أوّلا وتبرّأ منه قد عاد إلى الإيمان ثانيا فعاود هو إلى الاستغفار له .
( للمزيد في التفصيل راجع : الصحيح في سيرة النبي الأعظم ( ص ) : ج 2 / 185 - 191 ) .