في باب اللغات .
والذي يلزمنا أن نعلم استحالة إيجاد الولد عليه بحسب قيام الدلالة ، وإن كان لفظه كان ظاهرها يخالف ذلك ، وهي إذا صحّت محمولة على ما يطابق مدلول الدلالة .
فأمّا قياسهم قولهم في النبوّة على قوله : « إنّ إبراهيم خليله » ، فبعيد من الصحّة ؛ لأنّ الخلّة مأخوذة من الاختصاص والاصطفاء ، فمن اختصّ منّا غيره واصطفاه واطّلعه على أمره ، وصف بأنّه خليله على هذا المعنى ، ويقوّي ذلك أنّه مختصّ مشتقّ من خلّة الأمور ، فيكون من حيث اطّلع عليه وأفشيت الأسرار إليه ، كأنّه جعل في خللها ، وهذا المعنى ثابت في إبراهيم [ عليه السلام ] ؛ لأنّه تعالى خصّه من كرامته ورسالته بما لم يختصّ به أحدا من أهل زمانه ، وهذا المعنى وإن كان موجودا في جميع الأنبياء ، فغير ممتنع أن يصير كاللقب لإبراهيم [ عليه السلام ] ؛ من حيث غلّب عليه واختصّ به ، كما خصّ موسى [ عليه السلام ] بأنّه كليم اللّه ، وإن كان تعالى قد كلّم الملائكة ، والبيت الحرام بأنّه بيت اللّه ، وناقة صالح [ عليه السلام ] بأنّها ناقة اللّه ، و [ مثل ] هذا كثير .
وقد قيل : إنّ وصفه بأنّه خليل اللّه مأخوذ من المحبّة ؛ لأنّه تعالى محبّ له .
وقيل : إنّه مأخوذ من الخلّة ( بفتح الخاء ) التي هي الافتقار والحاجة ، ومنه قول الشاعر :
فإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول : لا غائب ما لي ولا حرم « 1 »
وكأنّه - عليه السلام - لما ظهر من حاجته وانقطاعه إلى اللّه ما لم يظهر من غيره ، ولمّا اختلّ فيه اختلالا لم ينل أحدا قبله ، مثل قذفه في النار ، وامتحانه بذبح ابنه ، والبراءة من أبيه « 2 » ، « 3 » وصف بذلك وصار كاللّقب له .
هامش
( 1 ) . تفسير التبيان 3 : 340 وتفسير مجمع البيان 3 : 177 .
وفيهما :وإن أتاه يوم مسألة * يقول لا غائب ما لي ولا حرموالشعر وارد في لسان العرب مادّة ( حرم ) و ( اخلل ) ، والشعر لزهير يمدح هرم بن سنان كما قاله الشيخ الطوسي رحمه اللّه في تفسيره ، وفيه أنّه روي ( يوم مسغبة ) وإنّما أنشد البلخي ( يوم مسألة ) وهو بخلاف الروايات .
( 2 ) . في الأصل : أبوبه .
( 3 ) . من الأصول المتّفق عليها عند الإمامية هو إيمان جميع آباء النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى آدم ( عليه السلام )