المعلوم أنّ ما وجد بعد أن لم يكن لا يجوز أن يصير موجودا لم يزل ؛ لأنّه يؤدّي إلى إثباته موجودا معدوما في حال واحد .
وما ذكرناه من إبطال مذاهبهم في الإيجاد ، يبطل ما يذهبون إليه في عبادة المسيح ؛ لأنّ ذلك مبنيّ على قولهم بالإيجاد ، وقد أفسدناه .
على أنّ العبادة إنّما استحقّها القدير ، من حيث كانت نعمه أصولا لشكر المنعم ، إذ لولا نعمة اللّه لم يصحّ نعمة منعم سواه ؛ لأنّه خلق المنعمين وملّكهم لما « 1 » ينعمون به ، وخلق الشهوة التي لولاها لم تكن النعمة نعمة ، وجعل ما به تكون النعمة على الصفات التي يقع الانتفاع بها ، فصارت جميع النعم كأنّها نعم منه لما ذكرناه .
وأيضا : فإنّ نعمه بلغت قدرا عظيما لا يجوز أن يوازيه نعم غيره من المنعمين ، فلهذا استحقّ العبادة دون غيره من سائر المنعمين ، ومعلوم أنّ ذلك لا يتأتّى من غيره تعالى ؛ لأنّ غيره من الفاعلين لا يكون إلّا جسما قادرا بقدرة ، وبالقدرة لا تصحّ الحياة والشهوات والطعوم ، وغير ذلك ممّا ذكرنا أنّ العبادة تستحقّ له .
وبعد ، فمن المعلوم أنّ عيسى كان يعبد اللّه ويدعو إلى عبادته ، فكيف يكون هو المعبود على الحقيقة ؟ وكيف يصحّ في المعبود أن يعبد نفسه ؟
وكلّ هذا ممّا « 2 » لا شبهة على عاقل فيه .
فصل في الكلام على الصابئين
حكي عن بعض هؤلاء القول بأنّ العالم مخلوق من هيولى قديمة ، وأكثرهم يثبت العالم محدثا على الحقيقة ، ويثبت له صانعا حكيما على ما يقوله الموحّدون / 80 / ، إلّا أنّهم يذهبون إلى عبادة الكواكب وتعظيم أقدارها ، ومنهم من سمّاها آلهة ، وأكثرهم يسمّيها ملائكة ، وردّوا « 3 » على من أثبت العالم قديما أو أثبته مفعولا من هيولى قديمة ، [ و ] قد مضى سلف فيما مضى من الكتاب .
هامش
( 1 ) . في الأصل : لا .
( 2 ) . في الأصل : من .
( 3 ) . والرد ( خ ل ) .