لأنّ حقيقة هذه اللفظة لا تجوز عليه تعالى ولا مجازها .
أمّا حقيقتها فهي لمن خلق من ماء غيره ، أو ولد على فراشه ، ومجازها يستعمل فيمن يصحّ أن يكون له ولدا لمن أضيف إليه . ألا ترى أنّه لا يضاف إلى الإنسان على طريق التبنّي به بعض البهائم ، لما لم يكن من جنسها ، ولا هي ممّا يصحّ أن يكون ولدا ، وكذلك لا يقال « تبنى الشابّ شيخا كبيرا » ، لما لم يمكن أن يكون ولدا له .
ومعلوم أيضا أنّ معنى هذا المجاز لا يليق به تعالى ؛ لأنّ مخالفته للأجسام أشدّ من مخالفة الإنسان للبهائم ، ولأنّ تعذّر كون الولد له أشدّ من تعذّر كون الشيخ ولد الشابّ ، هذا لو جاز القياس على المجاز ، فكيف وذلك ممّا لا يقاس عليه .
وهذا يبطل تفسيرهم لهذا اللفظ بمعنى الكراهة ، بأنّا قد بيّنّا أنّها لا تستعمل أيضا بمعنى الكراهة إلّا في موضع مخصوص لا يليق به تعالى ، على أنّ ذلك يقتضي كونه أبا في حال خلق عيسى ، ويبطل قولهم إنّه أب فيما لم يزل .
على أنّه لو كان معنى التبنّي التعظيم والكرامة ، لصحّ في كلّ من نعظّمه ونكرّمه أن نبتني ، وذلك فاسد .
وبعد ، فقد كان يجب ألّا يخصّ عيسى في هذا الباب ممّا ليس لغيره من سائر الأنبياء ؛ لأنّ الكرامة والتعظيم شاملان للكلّ « 1 » .
وبعد ، فإنّ أحدنا كما يتبنّى لغيره على جهة الإكرام ، كذلك قد يؤاخيه على هذا الوجه ، وعلى معنى الشبيه بالأخوّة على الحقيقة ، فلا فرق بين من أثبت للّه تعالى على هذا المعنى ابنا « 2 » وبين من أثبت له أخا !
فأمّا ادّعاءهم أنّ في الإنجيل حكاية عن عيسى : « إنّي ذاهب إلى ربّي » ، وأنّه أمر الحواريّين أن يقولوا في صلاتهم : يا أبانا ، وكلّ ذلك ممّا لم يثبت عندنا ليصحّ « 3 » الاحتجاج به ؛ لأنّ نقل كتبهم لم يرد مورد الحجّة وإيجاب العمل ، ولو كان ثابتا لجاز أن يكون له وجه ، من المجاز صحيح ، يحتمل تلك اللّغة ، ويكون المراد بهذه اللفظة فيها ما يليق به تعالى ؛ لأنّ اللغات إذا اختلفت لم ننكر أن يتجوّز ببعض الألفاظ في بعضها على وجه لا يستعمل
هامش
( 1 ) . في الأصل : للاكل .
( 2 ) . في الأصل : اثباتا .
( 3 ) . في الأصل : فيصح .