الشيطان ، وإن لم تكن ضررا في نفوسها ، لكن من حيث كانت كالسبب في الضرر والآلة فيه ، والشيطان يجري عندهم مجراها ، فكيف يكون من فعل الحكيم تعالى ؟
فأمّا من أثبت الشيطان متولّد عن الفكرة ، فالذي بطل قوله ما تقدّم من الدلالة على أنّ المحدث لا بدّ له من محدث قادر مختار .
وبعد ، فإذا كان تعالى هو المحدث لذلك الفكر ، أو الشك الذي حدث الشيطان منه ؛ « 1 » لأنّهم إن أثبتوه قديما لم يجز على مذهب من أفرده تعالى بالقدم ، فيجب على هذا أن يكون الشيطان من فعله ، وإن كانوا بواسطة ؛ لأنّ فاعل السبب هو فاعل المسبّب ، وإذا جاز أن يحدث ما يتولّد عنه الشيطان جاز أن يحدث الشيطان وسائر المضارّ ابتداء .
وبعد ، فإنّ من شأن ما يوجب الضرر ، أن يكون في حكمه عند العقلاء ، فالفكر على هذا إذا كان موجبا للضرر ، يجب أن يكون في نفسه له حكم الضرر ، ولا فرق بينه وبين سائر المضارّ !
وما ناقضنا به الثنويّة ، وبيّنّا به صحّة وقوع القبح والحسن من فاعل واحد ، من المسائل التي ذكرناها ، كمن قبل ثم ندم وغير ذلك ، يصلح أن يناقض به أيضا هؤلاء ، فلا معنى لإعادته .
فصل في الكلام على النصارى
اعلم أنّ إبطال المذهب فرع على كونه معقولا ممكنا اعتقاده ، والظاهر من قول النصارى في التثليث تناقض ، لا يمكن أن يعتقده على ظاهره عاقل ، ولو كانوا صرّحوا بالتثليث - كما صرّح غيرهم بالتثنية - لكان ما تقدّم من أدلّة التوحيد كان الاحتجاج عليهم .
ونحن نقسّم « 2 » ما يحتمله قولهم قسمة لا زيادة عليها فنقول :
لا يخلو مرادهم بقولهم : إنّه جوهر واحد ثلاثة أقانيم :
هامش
( 1 ) . في الأصل : عنه .
( 2 ) . في الأصل : نقسمه .