وذلك أنّ هذا جائز عند من لم يثبت الإحباط والتكفير ، ومن يثبتهما يقول : إن استوى ما يفعله من الخير والشرّ في مقدور المستحقّ عليه ، لم يستحقّ ذمّا ولا مدحا ، وإن زاد أحدهما على الآخر ، ثبت له الزائد وبطل الآخر ، فلا يكون مستحقّا للأمرين معا .
وممّا ينبئ عن فساد مذاهبهم ، أنّا وجدنا حوادث كثيرة تغمّ قوما وتسرّ آخرين ، وتنفع قوما وتضرّ سواهم ، ويكون من وجه نفعا ومن الآخر ضررا . ألا ترى أنّ بعض الأطعمة تنفع الصحيح وتضرّ العليل ، وأخذ المال على وجه الغضب يضرّ بالمأخوذ منه وينفع الآخذ ، وهذا أكثر من أن يحصى ويحصر ، وقد قال الشاعر :
أعتقني سوء ما صنعت من ال * رقّ فيا بردها على كبدي
فصرت عبدا للسّوء في * وما أحسن سوء قبلي إلى أحد « 1 »
فتبيّن كما ترى أنّه انتفع بالسوء من وجه ومن الوجوه .
فأمّا وقوع الضرر بالأجسام النّيرة والنفع بالأجسام المظلمة ، فهو الأظهر من أن يخفى ، وذلك أنّ سواد الليل يخفى المطلوب ظلما عن طالبه ، وبياض النهار قد يكون سببا للظفر به ، والرمد ينتفع بالظلمة ويستضر بالضوء ، وبسواد النقش يتمّ الكتابة ويضبط الأمور وتكتب العهود ، وقد قال الشاعر :
وكم بظلام اللّيل عندك من يد * تخبر أنّ المأثومة تكذب « 2 »
وقال أيضا :
أزورهم وسواد اللّيل يشفع لي * وأتتني وبياض الصّبح يعري بي « 3 »
وممّا سألوا عنه : إن قيل لهم خبّرونا عن المعتذر من جرمه من هو ؟
فإن قالوا : النور ، أضافوا [ إليه ] القبيح !
وإن قالوا : الظلمة ، أضافوا إليها التوبة وهي حسنة !
وإن قالوا : المسئ جزء من الظلمة والمعتذر جزء من النور .
قلنا : هذا باطل ممّا فرضنا من اعتذار المعتذر من جرمه ، وممّا يعلم أنّه جناه ، وهذا
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 19 : 32 .
( 2 ) . كذا في الأصل ، ولم نعثر عليه في المصادر المتاحة بأيدينا .
( 3 ) . كذا في الأصل ، ولعلّ الصحيح بدل ( يعري بي ) يفضحني ، ولم نعثر عليه في المصادر المتاحة بأيدينا .