قديما مع أنّه جسم ، ومضى الكلام في الردّ على الثنوية ، [ و ] على من أثبت فاعلين للخير والشرّ ، وبيّنّا أنّ الخير والشرّ لا يختلفان ولا يتضادّان من حيث كانا خيرا وشرّا ، وأنّهما لو اختلفا وتضادّا لصحّا من فاعل واحد ، كصحّة الأفعال متضادّة في الشاهد من الفاعل الواحد .
والكلام في أنّ الآلام تحسن وتقبح ، واللذّة ممّا يقبح ويحسن ، يجيء فيما يأتي من الكتاب .
وأمّا الكلام على من أثبت منهم حدوث الشيطان فهو أن يقال له :
لا يخلو عندك من أن يكون حادثا لا محدث له ، أو يكون محدثه القديم تعالى ، أو حدث عن فكره وشكّه على ما تهوّسوا به ؟
ولا يجوز أن يكون لا محدث له ؛ لأنّه يؤدّي إلى تجويز مثل ذلك في جميع الحوادث من الأجسام والأعراض ، وهذا يبطل إثبات القديم تعالى أو الشيطان جميعا .
على أنّا قد دللنا فيما سلف من الكتاب على أنّ المحدث يحتاج إلى المحدث من حيث كان محدثا ، ولا يصحّ مع ذلك إثبات محدث لا محدث له ، ولا يجوز أن يكون لا محدث له ؛ لأنّه يؤدّي إلى تجويز مثل ذلك [ في ] القديم تعالى على مذهبهم ، [ الذي ] هو المحدث للشيطان ؛ لأنّه أصل المضارّ عندهم ، وإذا جاز أن يحدثه مع كونه ضررا ، جاز أن يحدث سائر المضارّ ، ويستغني عن إثبات شيطان يختصّ بفعل ذلك .
وليس لهم أن يقولوا : فأنتم تقولون : إنّه يفعل الشيطان وكلّ فاعل للقبيح ، وإن لم يجز أن يفعل نفس القبيح ، فكيف ألزمتمونا ما يلزمكم ؟
وذلك أنّ الشيطان عندهم مطبوع على الشرّ والخير ، مستحيل فيه ، فهو كالسبب في المضارّ والشرور ، فخلقه يجري مجرى ما هو سبب فيه ، وعندنا أنّ الشيطان وغيره من فاعلي القبيح مختارون للقبيح ، قادرون على الامتناع منه ، فخلقهم وتمكينهم مع تكليفهم الامتناع من القبيح الذي يقدرون على الامتناع منه ، حسن غير قبيح .
ولهذا « 1 » المعنى قالت المجوس : إنّ الحيّات والعقارب وما جرى مجراهما من فعل
هامش
( 1 ) . في الأصل : هذا .