تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
أشرنا إليه . وهذا الكلام يلزم الديصانية « 1 » من وجه ؛ لأنّهم يثبتون الظلمة مواتا غير حيّة ، فقد زادوا الإلزام قوّة ، ويجب أن لا يحسن أمر الظلمة ولا نهيها ؛ لأنّها موات لا يعقل الأمر والنهي ولأنّها مطبوعة . والذي دعا هؤلاء إلى إثبات أصلين ، اعتقادهم تضادّ الخير والشر ، واختلاف أجناسهما ، وأنّهما إذا كانا كذلك لم يصحّ أن يقعا من فاعل واحد ، وأنّ ما في هذا أنّ الخير والشرّ لا يتضادّان ولا يختلفان من حيث كانا خيرا وشرّا ، وكذلك النفع والضرر ، بل ربّما كانا من جنس واحد . ألا ترى أنّ اللذّة من جنس الألم ، ولهذا يألم زيد بما لم يلتذّ به عمرو ، « 2 » إذا كان أحدهما مشتهيا والآخر نافرا ، وكذلك الصدق من جنس الكذب ؛ لأنّ السامع لهما لا يميّز بينهما ، ويستهان عليه عند إدراكهما ، بل نفس ما يكون صدقا يمكن أن يقع كذبا باختلاف قصد فاعله والمخبر به ، والقبيح أيضا من نفس « 3 » الجنس ؛ لأنّ لطمة اليتيم على سبيل التأديب من جنس لطمته على سبيل الظلم ، وقد استقصى ذلك في غير موضع ، فبطل ما ظنّوه من تضادّ الخير والشرّ . ولو سلّم أنّ ذلك متضادّ مختلف ، لم يكن تضادّه بأقوى من تضادّ الأكوان في الأماكن المختلفة ، والإرادة والكراهة ، والعلم والجهل ، وقد علم وقوع كلّ ذلك من فاعل واحد أوّلي . على أنّ نفس الخير قد يتضادّ ويختلف أجناسه وكذلك الشرّ ، ولم يجب عندهم أن يثبتوا لكلّ جنس من الخير فاعلا ، بل أضافوا كلّ الخير إلى فاعل واحد ، وهذا يبطل أنّ تضادّ الأجناس واختلافهما يوجب اختلاف الفاعلين . وليس لهم أن يقولوا : لو وقع الخير والشرّ من فاعل واحد ، لوجب أن يستحقّ في الوقت الواحد المدح والذمّ معا .
هامش
( 1 ) . الديصانيّة من فرق الملاحدة والثنوية ، قال الشهرستاني في الملل والنحل : إنّهم أصحاب ديصان ، أثبتوا أصلين نورا وظلاما ، فالنور يفعل الخير قصدا واختيارا ، والظلام يفعل الشرّ طبعا واضطرارا . . . » ( 2 ) . في الأصل : + و . ( 3 ) . في الأصل : جنس .