على أنّهم يثبتون الفعل من كلّ فاعل بطبعه ، وهذا معلوم ضرورة فساده ؛ لأنّه يوجب دفع الاختيار الذي فعله من أنفسنا ضرورة .
وعلى قولهم بالمزاج بين النور والظلمة ، وإنّ العالم مشتركين فيهما ، يجب أيضا أن يكون على جسم حيّ ، ولا يشبهه في أنّ بعض الأجسام بهذه الصفة دون بعض ، وقد استقصى من تقدّم الكلام عليهم في المزاج وكيفيّته وسببه .
وأقوى ما قيل لهم في ذلك : إنّ الأصلين القائمين التامّين ما لم يزل عندكم ، ليس يخلو إثباتهما من أن يكون بطبعهما ، أو لوجود معنى ، أو لاختيار مختار ؟
ولا يجوز أن يكون ذلك لمعنى ولا لاختيار مختار ؛ لأنّه يوجب إثبات أصل ثالث ، فلا بدّ من أن يكون الطبع وما يقتضيه الطبع [ أن ] لا يتغيّر ، فكيف حصل المزاج بينهما ، وطبعهما يقتضي التباين والتنافر ، وهذا يبطل القول بالمزاج - سواء أضافوه إلى اختيار الظلمة أو النور ، أو إلى الاتفاق - والكلام في هذا الجنس يطول ، وطريقة الكلام عليهم فيه معروفة .
وبعد ، فإنّ مذهبهم يؤدّي إلى قبح الأمر والنهي والمدح والذمّ ، ومعلوم حسن ذلك في العقول ، وإنّما قلنا : إنّه يؤدّي إلى ما ذكرناه ؛ لأنّ الأمر بالحسن لا يخلو عندهم من أن يكون متوجّها إلى النور والظلمة :
فإن كان متوجّها إلى النور ، فهو مدفوع على الخير لا يتمكّن من الانفكاك عنه ، ومن هذه حاله لا يحسن أمره ، كما لا يحسن أمر من هوى من عال بالنزول والهويّ .
وإن كان متوجّها إلى الظلمة ، فهي متبوعة على الشرّ لا يقدر على الخير ، فكيف يؤمر ما لا يقدر عليه وهي متبوعة على خلافه ، وأمر العاجز ومن ليس بقادر قبيح في العقول .
وكذلك القول ، فهو « 1 » نهي عن القبيح إذا قسّمناه هذه القسمة ؛ لأنّه إن توجّه إلى النور ، فهو عندهم لا يقدر على القبيح ، ولا يتأتّى منه ، فكيف ينهى عنه ؟
وإن توجّه إلى الظلمة فهي متبوعة على القبيح ، فكيف ينهى عنه ، ولا يتمكن من الانفكاك منه ؟ وإذا بطل الأمر والنهي ، بطل المدح والذمّ ؛ لأنّ ما له يقبح الجميع واحد ، وقد
هامش
( 1 ) . في الأصل : فهي .