وليس لأحد أن يجعل المصحّح لما اعتبرناه من القضيّة كونهما حيّين ، لكن بشرط لا تكون إرادتهما موجودة على وجه لا يختصّ معه بأحدهما دون الآخر / 76 / .
وذلك أنّ هذا عند التحقيق يقتضي اشتراط الشيء بنفسه ؛ لأنّ معنى ما ذكرناه من أنّ إرادتهما لا تكون بحيث لا يختصّ ، ليس بأكثر من أنّ أحدهما يصحّ أن يريده « 1 » ما لا يريده الآخر ، وكأنّه يشترط الشيء في نفسه .
ويمكن أن يستدلّ بالسمع على نفي ثان قديم ؛ لأنّ تجويز ذلك والشك فيه لا يمنع من العلم بأنّه عالم بقبح القبيح وبأنّه غنيّ عنه ، وهذا الأصل هو الذي لا يصحّ معرفته بالسّمع .
فصل في الكلام على الثنويّة
الخلاف مع هؤلاء في موضعين :
أحدهما : القول بالاثنين .
والآخر : القول في الآلام ؛ لأنّهم يزعمون أنّها لا تكون إلّا قبيحة .
وهذا الفصل الأخير نبيّن فيه في باب « التعديل والتجويز » بعون اللّه .
فأمّا القول بالاثنين : فقد دخل فساده فيما مضى من كتابنا ؛ لأنّهم يثبتون قدم النور والظلمة ، وهما جسمان ، وقد دللنا فيما تقدّم على حدوث جميع الأجسام .
على أنّ إثباتهم النور والظلمة قديمين ، يمنع من اختلافهما ؛ لأنّا قد بيّنّاه فيما مضى أنّ القديم قديم لنفسه ، وأنّ المشارك له في هذه الصفة يجب أن يكون مثلا له ، ومن قولهم : إنّ النور والظلمة مختلفان ، وهذا تناقض .
وبعد ، فإنّهم يقولون : إنّ النور يفعل الخير بطبعه ، والظلمة يفعل الشرّ بطبعها ، وهذا ممّا قد علم فساده من حيث أنّ الدليل على أنّ الفعل لا يقع بالطبع ، وأنّ ما اقتضى باب الفعل يقتضي كونه مختارا ، فلا فرق بين من نفاه وبين من أثبته على خلاف الوجه الذي يقتضي الدليل إثباته عليه .
هامش
( 1 ) . يريد .