تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
عنه ذلك من علم هذا من حاله ، وليس يجوز أن يكون موسى شاكّا في جواز الرؤية عليه تعالى ؛ لأنّ مثل الأنبياء لا يجوز أن يجهل مثل هذا ، ولأنّ فيه غاية التنفير . وأمّا [ من ] لم يجوّز « 1 » عليهم الصغائر ، فإنّه يجعل بلفظة التوبة على وجه الخشوع والعبادة والانقطاع إلى اللّه تعالى والرجوع إليه ، وإن لم يتعلّق ذلك بذنب عرفه من نفسه . وقد ذكر قوم في هذه الآية وجها آخر وهو : أن يكون موسى إنّما سأل أن يظهر له باب يعرف اللّه تعالى عندها ضرورة ، كالآيات التي تظهر في الآخرة ، وتزول عنه بها مشقّة التكليف . والجواب الأوّل أوضح وأسلم ؛ لأنّ الكلام على الوجه الأوّل لا يقتضي محذوفا بل يكون قوله :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
« 2 » على ظاهره ، وعلى الوجه الثاني لا بدّ من إضمار ذكر الآيات التي تقع المعرفة عندها ضرورة ، وقوله
أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ
« 3 » يدلّ أيضا على صحّة الجواب الأوّل دون الثاني . على أنّ موسى لا يصحّ أن يكون شاكّا في أنّ رؤية « 4 » اللّه تعالى ضرورة لا تجوز أن تقع في دار التكليف ؛ لأنّه معلوم بأدلّة العقول فكيف يسأل ذلك ؟ فإن قيل : إنّه سأل ذلك ولم يكن هو شاكّا فيه ، فهو رجوع إلى معنى الجواب الأوّل ، ولأن نجعل سؤاله لقومه الرؤية أولى ، لشهادة الظاهر ، وغيره ممّا ذكرناه . فأمّا تعليقه تعالى الرؤية باستقرار الجبل ، فجاز على منهج كلام العرب في أنّهم إذا أرادوا تبعيد الشيء ونفيه على كلّ حال ، علّقوه بما المعلوم أنّه لا يقع سواء كان جائزا أو محالا ، لأنّهم يقولون : « لا كلّمتك ما لاح كوكب وما أضاء فجره » « 5 » ، و « هذا لا يكون حتى يشيب الغراب » ، وإن كان ما علّقوا به النفي جائزا وغرضهم بالنفي غاية التبعيد . على أنّ استقرار الجبل في حال جعله إيّاه دكّا محال ، لما فيه من اجتماع الضدّين ، فما تعلّق وجود الرؤية إلّا بأمر محال . وقوله تعالى :
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ
« 6 » معناه فلمّا عرف من عند الجبل وأظهر لهم من الآيات ما يقتضي أنّ الرؤية لا يجوز عليه ؛ لأنّ التجلّي هو التعريف والإظهار ، ومنه قوله
هامش
( 1 ) . في الأصل : يجب . ( 2 ) . سورة الأعراف : 143 . ( 3 ) . سورة الأعراف : 155 . ( 4 ) . في الأصل : معرفة . ( 5 ) . في الأصل : فجر . ( 6 ) . سورة الأعراف : 143 .