خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ
« 1 » ، وقال الشاعر :
رآه اللّه إذ سمى يراه * أو أسكنكم قاطنينا « 2 »
وعلى هذا يكون معنى الخبر ، إنّكم تعلمون ربّكم ضرورة كما تعلمون القمر ، من غير مشقّة ولا كدّ نظر واستدلال ، وهذه بشارة لهم [ بدوام ] نعيمهم وزوال الكدر والشوب [ عنهم ] .
وليس لأحد أن يقول : لو كانت الرؤية في الخبر بمعنى العلم ، لتعدّت إلى مفعولين ؛ لأنّ هذا هو حكم العلم عندهم والرؤية بالبصر ، ولا يتعدّى إلّا إلى مفعول واحد ، فيجب أن يحمل الخبر مع فقد المفعول الثاني على الرؤية بالبصر .
وذلك أنّ العلم عند أهل اللغة على ضربين :
علم يقين ومعرفة ، والضرب الآخر بمعنى الظنّ .
فالذي هو بمعنى اليقين لا يتعدّى إلى أكثر من مفعول واحد ، ولهذا يقولون : « علمت زيدا » ، إذا كان بمعنى عرفته وتيقّنته ولا يأتون بمعنى ثان ، وإذا كان بمعنى الظنّ ، يحتاج إلى المفعول الثاني ؛ لأنّ الظنّ لا بدّ فيه من مفعول ثان ، وهذا ممّا قد نصّ عليه القوم .
وقد قيل : ليس يمتنع أن يكون المفعول الثاني في الخبر محذوفا ، يدلّ الكلام عليه وإن لم يكن مصرّحا فيه .
وليس لهم أن يقولوا : يجب على هذا التأويل أن يساوي أهل النّار أهل الجنّة في هذه البشارة ؛ لأنّ الجميع يعلمون اللّه تعالى في الآخرة ضرورة ، وذلك أنّ الخبر بزوال اليسير من الأدنى لمن نعيمه خالص صاف يعدّ بشارة ، ومثل ذلك لا يعدّ بشارة فيمن هو في غاية المكروه ونهاية الألم والعذاب .
وأيضا : فإنّ علم أهل الجنّة باللّه تعالى ضرورة يزيد في نعيمهم وسرورهم ؛ لأنّهم يعلمون بذلك أنّه يقصد بما يفعله بهم من النعيم ، التعظيم والتبجيل ، وأنّه يديم ذلك ولا يقطعه ، وأهل النار إذا علموه - جلّ وعزّ - ضرورة ، علموا قصده إلى إهانتهم والاستخفاف بهم ، وإدامة مكروههم وعذابهم ، فاختلف العلمان في باب المنفعة والمضرّة ،
هامش
( 1 ) . سورة يس : آية 77 .
( 2 ) . كذا في الأصل ، ولم نعثر عليه ولا على قائله في المصادر المتاحة بأيدينا .