قال أعشى بكر بن وائل :
أبيض لا يرهب الهزال ، ولا * يقطع رحما ، ولا يخون إلّا « 1 »
أراد لا يخون نعمة من أنعم عليه .
وإنّما أسقط التنوين من
إِلى رَبِّها
للإضافة ، وهذا وجه قاطع للسيف « 2 » .
وليس لأحد أن يطعن على هذا الوجه أنّه مبتدع لم يسبق إليه أحد من المفسّرين وأهل التأويل !
وذلك إنّ ما طريقه الاستنباط والاستخراج ، يجوز أن يقع للمتأخر فيه ما لا يقع للمتقدّم ، وإن كان الوجه جائزا صحيحا لم يضرّه ألّا يسبق إليه .
على أنّه غير مسلّم أنّه لم يسبق إليه ؛ لأنّ التأويلين المرويّين عن الصحابة والتابعين جميعا يجوز أن يطابقا هذا التأويل ؛ لأنّ من حمل الآية على أنّ المراد بها انتظار الثّواب ، ومن حمل المراد بها « 3 » على نظر الثواب ، لم يفصح بأنّ لفظة « إلى » في الآية هي اسم أو حرف ، وجائز على تأويله أن يكون اسما ، وإذا كانت اسما فهو التأويل الذي ذكرناه أخيرا بعينه .
وليس لهم أن يقولوا : كيف يصحّ الجمع بين قولكم : إنّ النظر لا يحتمل الرؤية جملة ، وبين ما رويتموه من تأويل من حمل الآية على رؤية الثواب ، أوليس هذا يوجب أنّ النظر يحتمل الرؤية ؟
وذلك أنّ النظر وإن لم يحتمل الرؤية على سبيل الحقيقة ، فقد يعبّر به عنها على سبيل التجوّز من حيث كان طريقا إليها ، والعرب قد تعبّر بالشيء عمّا يقاربه ، ويكون طريقا إليه ، فليس فيما قلناه اختلاف ولا تناقض بحمد اللّه .
والجواب عن الشبهة السادسة : إنّ موسى - عليه السلام - لم يسأل الرؤية لنفسه ولا على وجه الشك في جوازها عليه تعالى ، وإنّما سألها لقومه ؛ لأنّهم شكّوا فيها ولم يقنعوا ببيانه - عليه السلام - ، وأحبّوا أن يكون الجواب من قبل اللّه تعالى ، فسأل على هذا الوجه ليرد الجواب فيه ، فيرون الشبهة .
هامش
( 1 ) . لسان العرب 14 : 43 .
( 2 ) . هكذا تقرأ الكلمة في الأصل .
( 3 ) . في الأصل : بهما .