تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وقد روي عن أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه وآله - وعن جماعة من أصحابه والتابعين ، كابن عبّاس ومجاهد في هذه الآية وجه آخر ، وهو أن يكون المراد أنّها ناظرة إلى ثواب ربّها ؛ لأنّ الثواب ممّا يصحّ عليه الرؤية ، فحذف ذكر الثواب كما حذف في قوله تعالى :
وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ
« 1 » وقوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
« 2 » وما أشبه ذلك . وليس يمتنع أن يريد تعالى بالآية الوجهين معا ، فيريد أنّها منتظر ثوابه ومنتظر إليه وتعاينه مستبشرة به . فإن قالوا : فكيف يوصف أهل الجنّة بالانتظار والمنتظر لا يكون نعمه خالصا ، بل لا بدّ أن يكون مغموما منتقصا ؟ قلنا لهم : إنّما يلحق الغمّ والتنقيص المنتظر متى كان ما ينتظره يحتاج إليه في الحال ، وملحقة بقوله :
ناظِرَةٌ
« 3 » وهو غير قاطع على الوصول إليه ، فأمّا من ينتظر شيئا هو غير محتاج إليه في الحال ، وهو واثق بوصوله « 4 » إليه عند حاجته ، فهو غير مغموم ولا منتقص ، بل ذلك زائد في سروره ونعيمه . وليس لهم أن يقولوا : إنّ من قطع على حصول الشيء ، لا يوصف بأنّه منتظر له ! وذلك أنّ الانتظار هو توقّع ما يعلم أو يظنّ حصوله في المستقبل ، ولا فرق فيه بين العلم والظنّ ، وكيف يكون كذلك وقد حمل جماعة من الصحابة الآية على الانتظار ، وليس هم ممّن يخفى عليه حقيقة الانتظار ، وقد قال اللّه تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
« 5 » ، وإنّما أراد به الانتظار الذي يصاحب العلم لا محالة . وقد يمكن في الآية - على تسليم أنّ النظر فيها هو الرؤية - وجه آخر لا يفتقر فيه إلى تقدير محذوف يتعلّق بالرؤية ، إذا حملناه على الرؤية ، وإن حملنا النظر في الآية على الانتظار لم نحتج أيضا إلى تقدير محذوف ، وهو أن نحمل قوله :
إِلى رَبِّها
على أنّ المراد به نعمة ربّها ؛ لأنّ الآلاء « 6 » النعم ، وفي واحدها لغات أربع يقال : إلى مثل أنا وإلى مثل معي ، « 7 » إلي مثل إني « 8 » وإلى مثل حلى . « 9 »
هامش
( 1 ) . سورة الغافر : 42 . ( 2 ) . سورة الفجر : 22 . ( 3 ) . سورة القيامة : 22 . ( 4 ) . في الأصل : بوصول . ( 5 ) . سورة البقرة : 210 . ( 6 ) . الآلاء معناها النعم ومفردها إلى . ( 7 ) . الأمعاء جمع معدة . ( 8 ) . الإني : واحد الإناء . ( 9 ) . في الأصل : حسى .