الرؤية ؛ لا تعدّى ب « إلى » كما يعدّى النظر . ألا ترى إنّهم لا يقولون : « رأيت فلان » كما يقولون : « نظرت إليه » .
على أنّ ما هو معروف ضرورة من اللغة ، [ أنّه ] لا يقدح فيه الاستنباط والاستخراج ، وأنّ النظر يحتمل الانتظار ، ويعبّر به عنه ، [ و ] أظهر من أن يبطل بمثل هذا الكلام .
على أنّ اللفظتين وإن اتّفقتا في المعنى والفائدة ، فغير منكر أن يختلف تصرّفهما ، ولهذا نظائر كثيرة في اللّغة ، ومنه قولهم : « فلان يحبّ فلانا » معناه أنّه يريد منافعه ؛ لأنّ المحبّة هي الإرادة ، ولا يسوغ / 69 / أن يدلّ على هذا الوجه لفظ المحبّة بلفظ الإرادة ، حتى يقول :
« فلان يريد فلانا » ، فصار في إحدى اللفظتين من التعارف ما ليس في الأخرى ، وإن كان معناهما واحدا ، وقد روي هذا الوجه في الآية « 1 » عن جماعة من الصحابة والتابعين من غير طريق .
وليس لهم أن يقولوا : متى حملناها على الانتظار احتجنا أن نقدّر محذوفا ؛ لأنّه تعالى لا يصحّ أن يكون منتظرا في نفسه ، وإنّما منتظر ثوابه وعطائه ، وإذا حملناها على الرؤية لم نحتج إلى تقدير محذوف ، فتأويلكم يقتضي كون الآية مجازا وتأويلنا لا يقتضي ذلك .
والجواب عنه : إنّ العدول عن ظاهر الكلام واجب إذا اقتضى الدليل ذلك ، ولمّا كان تعالى في نفسه لا يصحّ أن يكون مرئيا ولا منتظرا ، وجب أن نقدّر ما يصحّ ذلك فيه ، وما عدلنا كلمة « 2 » عن ظاهره من القرآن أكثر من أن يحصى .
على أنّا لا نسلّم أنّ ذلك مجاز ؛ لأنّ تعارف الخطاب في هذه اللفظة واستعمالها في الغالب مع الحذف بجعل المفهوم منها هو الحقيقة ؛ لأنّهم يقولون : « انتظرت زيدا » و « أنا منتظر فلانا » فيستعملون لفظ الانتظار مع حذف ما يتعلّق به على الحقيقة من الأفعال ؛ لأنّ الانتظار لا يصحّ على ذات زيد ، وإنّما يصحّ على أفعاله ، وجرى مجرى لفظ « الملك » في قولهم : « فلان ملك داره وعبده » ، في أنّه وإن تعلّق محذوف فهو الحقيقة بالعرف ، وهذا الاستعمال مع الحذف أظهر وأشهر من قولهم : « تملّك التصرّف في داره وعبده » .
هامش
( 1 ) . في الأصل : وقد روى هذا الوجه عن جماعة عن جماعة من غير طريق في الآية عن . . . .
( 2 ) . في الأصل : كلتا .