بين جهة كلّها تدرك لمباشرة محلّه وانتقاله إلى حواسّنا ، كالطعوم وغيرها حتى نعلم الجهة التي حدث فيها ، وانتقل محلّه إلينا منها ؛ ولأنّه لو احتيج في إدراك الصوت إلى انتقال محلّه ، لم يمتنع أن يسمع الصوت بعض الحاضرين دون بعض ، مع اختصاصهم بالقرب ، أو أن يسمعه أحدهم على خلاف ما يسمعه الآخر ، وكان يجب أن يكون إدراكهم له متأخّرا عن حال وجوده ، وكلّ ذلك ظاهر الفساد .
والشرط في إدراك الصوت صحّة الأذن وارتفاع السدّ عنها أو ما جرى مجراه .
فأمّا الألم واللذّة فيدركان بمحلّ الحياة فيه ، ولا يتعلّق الإدراك لهما بإدراك محلّهما وإن كان في الأغلب قد نعلم محلّها عند إدراكها ، ويفرّق بينه وبين غيره .
وأمّا [ المثال الثاني : وهو ] ما يدرك مع إدراك محلّه فهو على ضربين :
أحدهما : يدرك ويدرك محلّه لحاسّة واحدة ، كالألوان والحرارة والبرودة .
والضرب الثاني : يدرك الحال من جهة والمحلّ من جهة أخرى ، وذلك نحو « 1 » الأراييح والطعوم ؛ لأنّهما يدركان بحاسة الشمّ والذوق ، ويدرك محلّهما بحاسّة اللمس .
والشرط في إدراك الألوان والحرارة والأراييح والطعوم أن يكون محلّ الحياة بحيث لا ساتر بينه وبين المدرك ، ولامكان يجوز أن يكون فيه ساتر ، فلو كان القديم تعالى مدركا على بعض هذه الوجوه ، لوجب أن ندركه لما ذكرناه من تكامل الشرط ، وكونه على الصفة التي ندرك عليها ، وهذا واضح لا إشكال فيه .
فصل في ذكر أقوى ما يتعلّق به المخالف بالرؤية والكلام عليه
اعلم أنّا لو أطرحنا ذكر شبههم لضعفها وبعدها ، لاقتضانا ذلك ألّا نذكر شيئا منها ، لكنّا ذكرنا ما هو الأمثل والأشبه بالإضافة إلى غيره ممّا « 2 » تعلّقوا به .
إنّ قالوا : لمّا كان القول بصحّة رؤيته لا يوجب تشبيهه بغيره ، ولا تجويزه في حكمه ، ولا تكذيبه في خبره ، ولا قلب حقيقته ، وجب أن تكون الرؤية جائزة عليه ، وكان القطع على ثبوتها موقوفا على السمع .
وتعلّقوا أيضا : بأنّه إذا ثبت كونه رائيا لغيره ، فيجب أن يكون رائيا لنفسه ، لأنّ أحدنا
هامش
( 1 ) . في الأصل : يجوز .
( 2 ) . في الأصل : فما .