وممّا يبيّن صحّة ما ذكرناه أنّ المرئيّ لا يختصّ بصحّة رؤيته بعض الرائين دون بعض ، بل كلّ ما يصحّ أن يكون مرئيا لبعضهم ، صحّ أن يراه الجميع ، كما أنّ المعلوم لا يختصّ في صحّة العلم به بعالم دون عالم ، أو حيّ دون آخر ، وكذلك المظنون والمعتقد والمراد والمشتهى ، وإنّما وجب ذلك فيما عدّدناه من المعلومات والمعتقدات وغيرها ، من حيث كان التعلّق الذي يختصّ بها لا يؤثّر فيها ، وإنّما يتناولها على ما هي عليه وكذلك المرئيّ ؛ لأنّه لا يحصل على صفة بالرائي ، وإنّما يتناوله الرؤية على ما هو عليه من غير تأثير فيه ، وفارق تعلّق سائر ما ذكرناه ، لتعلّق القادر بالمقدور ، من حيث حصول التأثير في المقدور ، ولهذا اختصّ المقدور وزال الاختصاص في جميع ما ذكرناه ، فلو جاز إثبات مرئيّ يختصّ بصحّة رؤيته لبعض الرائين دون بعض ، لجاز مثل ذلك في المعلوم وجميع ما عدّدناه !
فإن قيل : ما أنكرتم أنّ كون الوجه الذي له امتنعت رؤية القديم علينا ، حاجتنا في الرؤية إلى الحاسّة التي من شرطها أن يكون المرئي مقابلا لها أو في حكم المقابل ، ولمّا استحالت المفارقة عليه ، تعذّرت علينا رؤيته ، ولم يمتنع مع ذلك أن يرى نفسه ؛ لأنّه يستغني فيما يراه عن الحواسّ وعن شروطها ؟
قلنا : إذا ثبت أنّ رؤيتنا له لا يصحّ على كلّ حال ، ثبت أنّه غير مرئيّ في نفسه ، كما أنّ كلّ شيء لا يصحّ أن نعلمه على كلّ حال ، يجب القطع على أنّه غير مرئي في نفسه .
وكيف يصحّ إثبات مانع من رؤيته يستحيل ارتفاعه ، أوليس هذا يقتضي التباس حال ما تعذّر المنع بحال ما تعذّر الاستحالة ؟
على أنّ هذا بعينه يوجب الشك في أنّه يرى المعدومات ؛ لأنّه يقابل أن نقول : إنّا إنّما لا نراها لافتقارنا إلى الحواسّ ، ومن شرط ما نراه أن يكون موجودا ، ليصحّ مقابلته ، فالمستغني عن الحواسّ على هذا لا يمتنع أن يدرك المعدودات .
على أنّه غير مسلّم أنّ المقابلة وما في معناها شرط في رؤيتنا المرئيات ؛ لأنّ الشرط في إدراك ما يدرك بحاسّة واحدة ، يجب أن لا يختلف وأن يكون واحدا ، « 1 » فلو جعلنا الشرط المقابلة وما في معناها أو الاتصال بالمرئيّ ، لخرج العرض من أن يكون مرئيا .
وإن جعلنا الشرط مقابلة المحلّ أو الاتصال بالمحل ، خرج الجوهر من أن يكون مرئيا ،
هامش
( 1 ) . في الأصل : واحد .