وبعد ، فإنّ ذلك أيضا يوجب عليهم القول بأنّه عالم لذاته ؛ لأنّ القول به لا يؤدّي إلى شيء ممّا ذكروه ، ويوجب أيضا إثبات كلّ ما علمنا نفيه ممّا ليس في إثباته تشبيه ولا تجويز ولا تكذيب ، وهو كثير .
على إنّا لا نسلّم ممّا اقترحوه بل نقول : إنّ في إثبات الرؤية ما يقتضي التشبيه ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ المرئي بالأبصار لا بدّ من أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل ، وذلك يقتضي كونه جسما أو عرضا وهذا هو التشبيه ، ويقتضي أيضا تكذيبه في خبره ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ قوله تعالى
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
« 1 » [ دالّ ] على نفي الرؤية عنه .
فأمّا قلب الحقيقة ، فإنّ الرؤية وإن كانت لا تقتضيه ، فنفيها والحكم باستحالتها لا تقتضيه ، فيجب نفي الرؤية لهذه العلّة على ما ذكرناه . على أنّ الرؤية وإن لم تقلب حقيقة المرئيّ ، فإنّها تدلّ على أنّها بصفة مخصوصة ، ولا بدّ من نفيها عمّن تستحيل تلك الصفة عليه ، كما أنّ كون القادر قادرا على الشيء لا تقلب حقيقته ، لكن تدلّ على أنّه معدوم يصحّ حدوثه ، فما استحال عليه العدم والحدوث لا بدّ من نفي كون القادر قادرا عليه ، وإن لم يكن ذلك قالها بحقيقته .
والجواب عن الشبهة الثانية : إنّ أحدنا إنّما يرى نفسه إذا كان رائيا لغيره ، من حيث كانت نفسه في أنّها يصحّ أن تكون مرئية لغيره ، فإنّما يجب في كلّ من رأى غيره أن يرى نفسه متى كانت نفسه يصحّ أن تكون مرئية ، ولهذا لمّا لم يشارك نفسه غيره في صحّة أن تكون مسموعة ، جاز أن يسمع أحدنا غيره ، وإن لم يصحّ أن يسمع نفسه .
على أنّه لا فرق بين من جعل كونه رائيا لغيره علّة في كونه رائيا لنفسه « 2 » ، وبين من عكس ذلك ، فجعل كون أحدنا رائيا لنفسه هو العلّة في كونه رائيا لغيره ، وهذا يقتضي [ أن ] يكون كلّ واحد من الأمرين علّة على صاحبه .
على أن يكون الرائي منّا رائيا ، لا يجوز أن يقتضي كونه مرئيا ؛ لأنّ كونه رائيا يرجع إلى جملته ، وكونه مرئيا يرجع إلى كلّ جزء منه ، والصفة لا تقتضي أخرى إلّا والموصوف بهما واحد ، على ما دللنا عليه من قبل .
على أنّ أحدنا لا يصحّ أن يكون محرّكا بغيره ، ولا يصحّ أن يحرّك نفسه ، ولم يلزم أن يكون تعالى من حيث صحّ أن يحرّك غيره يصحّ أن يحرّك نفسه ، وكذلك القول في الرؤية .
هامش
( 1 ) . سورة الأنعام : 103 .
( 2 ) . في الأصل : نفسه .