فصل في أنّ الإدراك بسائر « 1 » الحواسّ لا يجوز عليه تعالى
الأصل في نفي كونه تعالى مدركا بسائر « 2 » الحواس ، ما ذكرناه في نفي الرؤية عنه تعالى ؛ لأنّه لو كان مدركا لنا في الحواسّ ، لوجب أن ندركه مع صحّة حواسّنا ، وكوننا على الصفة التي ندرك معها المدركات وارتفاع الموانع ؛ لأنّ ما هو مدرك في نفسه لا يقف إدراكه على أكثر ممّا ذكرناه ، وقد بيّنّا أنّ ذي مانع غير معقول يؤدّي إلى الجهالات ، وإثبات مانع لا يجوز ارتفاعه يؤدّي أيضا إلى ذلك ، ويوجب الشك في أنّ الموجودات كلّها يدرك بكلّ الحواسّ ، بل المعدومات .
ولا يجوز أن يكون هو تعالى يدرك نفسه على حدّ إدراك الصوت وغيره من المدركات بسائر « 3 » الحواس ، وإن لم يجز منّا إدراكه لما بيّنّاه أيضا من قبل في باب الرؤية ، من أنّ الإدراك لا يقع فيه اختصاص ، وأنّه لو كان مدركا في نفسه ، لصحّ أن يدركه غيره من المدركين ، كما وجب مثل ذلك في المعلومات وغيرها .
واعلم أنّ الحواسّ خمس ، فأربع منها لا بدّ من اختصاصها بضرب من البنية يزيد على بنية الحياة ، والحاسّة الأخرى يكفي فيها بنية الحياة ، فالأربع حاسّة : السمع ، والذوق ، والشمّ ، والرؤية ، والخامسة : كلّ محلّ فيه « 4 » بنية حياة ، ثمّ هي على ضربين :
فضرب : يختصّ بإدراك النوع الواحد دون ما خالفه ، وهي حاسّة السمع والشمّ والذوق ؛ لأنّ السمع يختصّ الأصوات والشمّ يختصّ الأراييح والذوق يختصّ الطعوم .
والضرب الآخر : يدرك به الأنواع المختلفة كحاسّة الرؤية ؛ لأنّه يدرك بها الجواهر والحرارة والبرودة واللذّات والآلام ، وان اختلفت كيفية إدراك ذلك .
فأمّا كيفية الإدراك بهذه الحواسّ وشروطها فهي في الأصل على ضربين :
أحدهما : يدرك معه المدرك من غير إدراك محلّه .
والضرب الآخر : يدرك المدرك مع غير محلّه .
فمثال الأوّل : إدراك الأصوات وإدراك الآلام واللذّات ؛ لأنّ الصوت عندنا يدرك في محلّه من غير أن يدرك المحلّ نفسه .
والذي يدلّ على ذلك ؛ إنّا نفرّق بين جهة الصوت التي حدث فيها مع السلامة ، ولا نفرّق
هامش
( 1 ) . في الأصل : لسائر .
( 2 ) . في الأصل : لسائر .
( 3 ) . في الأصل : لسائر .
( 4 ) . في الأصل : + فيه .