أفصح وأبلغ .
فإن قيل : من أين لكم عموم الآية على وجه يتضمّن نفي إدراك البعض ، كما يتضمّن نفي إدراك الكلّ ، ظاهر الآية إنّما يقتضي أنّ جميع المبصرين أيضا لا يدركونه ، وهذا ممّا لا خلاف فيه ؟
قلنا : قد أجيب عن هذا السؤال بأنّ نفي إدراك الكلّ يقتضي نفي إدراك البعض ، كما أنّ الإثبات يقتضي ذلك ، وليس هذا بمرضيّ ؛ لأنّ الإثبات في هذا الباب يخالف النفي ؛ لأنّ القائل إذا قال : « لا أكلّم جميع الحدث » و « لا آكل جميع هذا الطعام » متى كلّم بعضهم وأكل بعض الطعام لا يكون كاذبا ، وفي الإثبات إذا قال : « أنا آكل جميع الطعام » و « أكلّم جميع الناس » متى أخلّ « 1 » بالبعض يكون كاذبا .
والجواب عن ذلك : هو إنّا قد بيّنّا أنّه تعالى لم يتمدّح في الآية بانتفاء فعل أو إثبات فعل ، وإنّما تمدّح بما يرجع إلى ذاته ، وهذا القدر كاف في إسقاط هذا السؤال ؛ لأنّ تمدّحه إذا كان راجعا إلى ما يختصّ في ذاته ، كان انتفاء إدراك البعض كانتفاء إدراك الكلّ ، وإنّما يصحّ معنى السؤال ، لو كان الإدراك معنى ، ثمّ كان ممّا يصحّ انتفائه عن بعض المدركين دون بعضهم وحالهم واحدة ، وإذا كنّا قد دللنا على فساد كلّ ذلك فلا شبهة في السؤال .
فصل في أنّه غير مرئيّ في نفسه
إن سأل سائل فقال : ليس فيما تقدّم من كلامكم أكثر من أنّه تعالى لا يدرك بالأبصار ، فمن أين أنّه ليس بمدرك في نفسه يصحّ ، ولعلّ الأبصار وإن لم تدرك بها ، فإنّه يدرك نفسه .
قيل له : لو كان تعالى مرئيا في نفسه لصحّ أن نراه ، مع حصولنا على الصفة التي معها نرى المرئيات - مع « 2 » زوال الآفات وارتفاع الموانع - لأنّه لا منتظر بعد ما ذكرناه في حصول رؤية ما يصحّ رؤيته في نفسه ، ولولا صحّة هذه الطريقة لالتبس ما يستحيل رؤيته بما يصحّ رؤيته ، ولم نأمن أن يكون الظلم مرئيّا في نفسه وإن كنّا لا نراه ، ونرى السّواد في محلّه ، وكذلك كما لا نأمن أن تكون المعدومات مرئيّة في نفوسها ، وإن كنّا مع صحّة حواسّنا وتكامل شرائطنا لا نراها ، وهذا يؤدّي إلى التجاهل .
هامش
( 1 ) . في الأصل : اختل .
( 2 ) . في الأصل : و .