شيء عالم ، لزم المخالف مثله إذا مدحه بنفي السنة والنوم وغير ذلك ممّا أوردناه .
والذي يجب أن يحصل في هذا الموضع ، أنّ الصفة المنفية لا تمتنع أن تقتضي المدح بشرط متى لم يحصل لم يكن مدحا ، بل لا بدّ في كلّ مدح تعلّق بالنفي دون الإثبات من أن يكون مشروطا ، فلا بدّ في شرطه أيضا من أن يكون إثباتا ، وليس ذلك واجبا في المدح بالإثبات . ألا ترى إنّا إذا مدحنا بنفي الجهل والعجز والظّلم ، فلا بدّ من اشتراط كون من نمدحه بذلك حيّا له صفات مخصوصة ، وفي الظّلم لا بدّ أن يكون قادرا عليه وله دواع إليه ، وقد استقصينا هذا الكلام في مسألة أمليناها متقدّما وبسطنا الكلام فيها ، وبيّنّا أنّ النفي إنّما فارق الإثبات في الافتقار إلى الشرط ، من حيث كان النفي أعمّ من الإثبات ، فلعمومه يتناول الممدوح وغير الممدوح ، والإثبات أخصّ منه ، فيستغني عن الشرط ؛ لأنّه لا يتناول إلّا الممدوح ، ولهذه العلّة وجب في الشرط المراعي في النفي أن يكون أيضا إثباتا / 65 / أو جاريا مجرى الإثبات . ومن تأمّل ما وقع التمدّح فيه بالنفي والإثبات ، علم أنّ الأمر فيه على ما ذكرنا .
فإن قيل : ظاهر الآية إنّما يقتضي نفي إدراك الأبصار عنه ، وهذا ممّا لا يخالف فيه أحد ، وإنّما الخلاف في إدراك المبصرين الذين لم يتناولهم الآية ؟
قلنا : ليس يخلو ذكر الأبصار أو المبصرون ، فإن أريد به الرؤية دون حاسّتها ، فذلك باطل بما دللنا به من قبل على أنّ الرؤية ليست بمعنى ، وإن أريد الحاسّة ، بطل أن تكون الآية موجبة لمدحه تعالى ؛ لأنّ الحاسّة كما يستحيل أن ترى هي القديم تعالى ، وكذلك يستحيل أن ترى غيره من جميع الموجودات ، فلا اختصاص هاهنا للقديم تعالى بما ليس لغيره .
وليس لأحد أن يراعي في ذلك كونه رائيا ويشترط النفي به ؛ لأنّ كلّ سليم من الأحياء يشارك في ذلك ، من حيث كان البصر لا يراه على الحقيقة ، وإن كان هو رائيا له .
على أنّ من ليس [ له ] أدنى بصيرة « 1 » بالعربيّة ، لا يعترض بمثل هذا الاعتراض ؛ لأنّهم لا يفرّقون - إذا أرادوا النفي - بين أن يعلّقوه بالآلة أو بذي الآلة ، ولهذا يقولون : « يد فلان لا تبطش » ، و « رجله لا تسعى » ، و « عينه لا تبصر » ، وإنّما يريدون أنّه في نفسه لا يبطش ولا يسعى ولا يبصر ، فالمعنى واحد ، وإن كان اللفظ الأوّل الذي يعلّق النفي فيه بالآية
هامش
( 1 ) . في الأصل : ليس .