الاستدلال بالآية وخرجت من أن تكون دليلا .
وذلك أنّا قد بيّنّا أنّ العلم بتفصيل وجه المدحة غير واجب ، وأنّ الاستدلال بالآية لا نفتقر إليه ، وأنّ العلم بأنّه لا بدّ من وجه على سبيل الجملة كاف ، فسقط هذا السؤال .
فإن قيل : كيف يتمدّح تعالى بنفي الإدراك عنه ، وقد شاركه في ذلك ما ليس بمندرج من المعدومات وكثير من الأعراض الموجودات ؟
قلنا : قد أجاب أهل الحقّ عن هذا السؤال :
فقال بعضهم : إنّه لم يتمدّح بمجرّد نفي الإدراك عنه ، بل بكونه يرى ولا يرى ؛ لأنّ ما عداه من الذوات على ضروب :
منها : ما يرى ولا يرى ، كالألوان .
ومنها : ما يرى ويرى ، كالإنسان وما جرى مجراه من الأحياء .
وليس منها ما يرى ولا يرى ، فإذا اختصّ هو تعالى بذلك ، وجبت له المدحة .
وقال آخرون : إنّه لم يتمدّح تعالى بنفي الرؤية عنه في الحقيقة ، وإنّما تمدّح بصفته الذاتية التي اقتضت له نفي الإدراك عنه وإثباته فيه ، كما أنّه تعالى لمّا تمدّح بنفي الشبيه والولد والصاحبة لم يتمدّح بالنفي على الحقيقة ، وإنّما يتمدّح بما اقتضى له من صفته الذاتية .
وقد اعترض المخالفون [ على ] الوجه الأوّل فقالوا : كيف يصحّ أن يتمدّح لمجموع أمرين كلّ واحد منهما بانفراده ولا يقتضي المدح ، ولئن جاز هذا ليجوزنّ أن يتمدّح بأنّه شيء عالم ، أو ذات قادرة ، فبنفيه المدح لمجموعه « 1 » وإن كان الانفراد بخلافه .
وقد أجيب عن هذا : إنّه غير ممتنع في الصفة التي لا تقتضي مدحا على الانفراد ، أن تكون مؤثّرة في المدح عند الانضمام إلى غيرها أو وقوعها على بعض ، ومثّلوا ذلك بتمدّحه تعالى بنفي الشبيه والولد ، وأنّه لم يكن مدحا لمجرّد النفي ، من حيث قد ينتفي ذلك عن ذوات كثيرة غير ممدوحة ، وإنّما كان مدحا من حيث انتفى من حيّ له صفات من يجوز مثل ذلك عليه في الشاهد .
ومثلوه أيضا بمدحنا « 2 » له تعالى بأنّه موجود لم يزل ، فإن كان لا مدح في مجرّد كونه موجودا وقالوا : إن لزم على ما ذكرناه في التمدّح بنفي الإدراك في الآية ، أن نتمدّح بأنّه
هامش
( 1 ) . في الأصل : بمجموعه .
( 2 ) . في الأصل : فمدحنا .