بالإحسان ، جاز أن لا يتفضّل على عمرو بمثل ذلك ، ولا يكون مذموما ، وكذلك إذا وعد بأنّه لا يعاقب أحدا من الكفّار جاز أن يعاقب الجميع ، ومثل هذا لا يجوز في الفعل الواجب ، لا على طريق النفي ولا الإثبات . ألا ترى إنّه لا يجوز أن يتمدّح بأنّه يفعل بزيد ما استحقّه من الثّواب ولا يفعل مثل ذلك بسائر المستحقّين ، فكذلك لا يجوز أن يتمدّح بأنّه لا يظلم زيدا ويظلم غيره ، فقد تمّ غرضنا على كلّ حال في الفرق بين الأمرين .
فأمّا ما يتمدّح به تعالى فيما يرجع إلى ذاته فهو على ضروب ثلاثة :
تمدّح بإثبات على الحقيقة .
وتمدّح بما يجري مجرى الإثبات .
وتمدّح بما جرى مجرى النفي .
وعلى كلّ الوجوه لا يجوز انتفاء المثبت ولا إثبات المنفي ، ولا تغيّر الحال في ذلك ، فالإثبات الحقيقي كالوصف له بأنّه موجود باق ، وما يجري مجرى النفي كنحو تمدّحه تعالى بأنّه
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
« 1 » وبنفي الصاحبة والولد ، ويجري مجرى ذلك تمدّحه بأنّه لا مدرك بالأبصار ، فلا فرق على ما ذكرناه بين من جوّز أن يرى في الآخرة ، وبين من جوّز أن تأخذه سنة أو نوم ، أو يتّخذ ولدا في بعض الأحوال .
فإن قيل : كلّ شيء أشرتم إليه فيما يقتضي انتفائه وإثباته النقص له معقول يقتضي ذلك فيه ، وليس في إثبات رؤيته تعالى وجه معقول يقتضي النقص ، وكيف يصحّ التمدّح بنفي الرؤية ، وكيف يصحّ حملها على ما قد عقل وجه التمدّح بنفيه ؟
قلنا : إذا ثبت أنّه تعالى متمدّح بالآية ، فلا بدّ من أن يكون في نفي الرؤية عنه وجه يقتضي المدحة ؛ لأنّه تعالى لا يتمدّح بما لا وجه له في المدحة ، فهذا القدر كاف في علمنا بأنّه لا بدّ من وجه المدحة على سبيل الجملة ، وينتظم معه الاستدلال بالآية وإن لم نعلم الوجه بعينه على سبيل التفصيل ، كما أنّ العلم بوجه وجوب الشيء على الجملة كاف في العلم بوجوبه وغير مخلّ به ، وإن كان لا بدّ من أن يكون هناك وجه للوجوب مفصل ، والوجه المفصل في كون نفي الرؤية عنه تعالى مدحا ، هو أنّ من شأن ما يرى أن يكون هو أو محلّه في جهة من الجهات ، وذلك يقتضي حدوثه .
وليس لأحد أن يقول : متى علم هذا الوجه وأنّ المدحة تعلّقت به ، استغنى عن
هامش
( 1 ) . سورة البقرة : 255 .