فأمّا الذي يدلّ على أنّه تعالى يمدح بما يرجع إلى ذاته ، دون ما يكون أن يكون متفضّلا به ، فهو أنّ الإدراك ليس بمعنى على ما دللنا عليه ، فيصحّ أن يقال : إنّه تمدّح بألّا يفعله على سبيل التفضيل « 1 » ، ولم يبق بعد ذلك ألّا يكون التوجيه « 2 » أنّه في نفسه على صفة يستحيل معها إدراكه ، وما تقتضيه ذاته لا يصحّ تغيّره ولا خروجه تعالى عنه ، فصحّ بذلك ما ذهبنا إليه من استحالة الرؤية عليه على كلّ حال .
واعلم إنّما تمدّح القديم تعالى بنفيه وإثباته على ضربين :
أحدهما يرجع إلى فعله ، والآخر إلى ذاته .
فأمّا الضرب الأوّل : فهو على قسمين :
أحدهما : أن يتمدّح بالفعل على سبيل الإثبات .
والآخر : أن يتمدّح به على طريق النفي .
والقسم الأوّل : على ضربين :
أحدهما : يقتضي انتفائه / 64 / النقص والذّم ، وهو التمدّح بفعل الواجب .
والآخر : لا يقتضي ذلك ، وهو كلّ ما كان متفضّلا بفعله من الاحسان والإنعام .
وأمّا الضرب الثاني : من أقسام الفعل ، وهو التمدّح بنفي الفعل ، فهو أيضا على ضربين :
أحدهما : يقتضي إثباته النقص والذم ، وهو التمدح بأن لا يفعل القبائح .
والضرب الثاني : لا يقتضي إثباته ذمّا ، وهو التمدّح بأن لا يفعل ما يكون متفضّلا ما لا يفعله ، كنحو تمدّحه بأنّه لا يعاقب الكافر لو تمدّح بذلك ؛ لأنّ إثبات ذلك يجري مجرى نفي ما يتفضّل بفعل من ضروب الإحسان في أنّه لا يوجب ذمّا ، من حيث كان للمتفضّل أن لا يتفضّل وله أن يتفضّل ، ولا فرق في ذلك بين النفي والإثبات .
وليس لأحد أن يقول : كيف يصحّ أن يتمدّح بأنّه يفعل الإحسان ثمّ لا يفعله ، وكذلك فيكف يتمدّح بأنّه لا يعاقب الكافر ثمّ يعاقبه ، وكلّ ذلك يقتضي الذمّ بخلاف ما قلتم ؟
وذلك أنّ الوعد بالتفضّل لا يدخله في أن يكون واجبا ، فمتى وعد بما يجري مجرى التفضّل - سواء كان نفيا أو إثباتا - كان له أن لا يفعله من حيث كان تفضّلا ، وإنّما يقبح أن لا يفعله من وجه آخر ، لأنّه يكون كاذبا مع تقدّم الوعد ، وهذا خارج عمّا نحن بسبيله .
على أنّا نفرض المثال بحيث لا شبهة فنقول : متى وعد بأنّه يتفضّل على زيد
هامش
( 1 ) . في الأصل : التفضل .
( 2 ) . في الأصل : التوجه .