والضرب الآخر : حكم البصر فيه ، وكلّ محلّ للحياة حكمه « 1 » واحد ، وهو إدراك الحرارة وما يجري مجراها .
فالإدراك متى أضيف إلى البصر أو أطلق ، لم يعقل منه إلّا الرؤية التي تختصّ البصر بأنّه آلة فيها ، كما أنّ الإدراك إذا أضيف إلى البصر أو الأذن وأطلق لم يعقل منه إلّا ما يختصّ هاتان الجارحتان ، بكونهما آلة في إدراكه ، وما سئلنا عنه بخلاف ذلك ؛ لأنّ القائل إذا قال : « أدركت حرارة الميل ببصري » فقد علّق الإدراك بالحرارة التي لا تكون البصر آلة في إدراكها من جهة الرؤية ، وصار هذا التقييد مزيلا لما يقتضيه ظاهر إضافة الإدراك إلى البصر مع الإطلاق ، وجرى مجرى أن تقول : « أدركت حرارة كذا بأنفي أو أذني » في أنّه يؤيد ما يقتضيه ظاهر تعلّق الإدراك بالأنف والأذن مع الإطلاق .
على أنّ الآية إذا اقتضت نفي إدراك الأبصار عنه تعالى ، فيجب أن تنفي ذلك على كلّ وجه يضاف إلى البصر ، فبقي أن يكون مرئيا بالبصر ، ومدركا به على سبيل إدراك الحرارة وغيرها ، وهذا بيّن في سقوط السؤال .
وأمّا الذي يدلّ على أنّه تعالى يمدح بنفي الإدراك عن نفسه ، فهو إجماع الأمّة ؛ لأنّه لا خلاف بينها في ذلك ، وإنّما اختلفوا في كيفية تمدّحه :
فقال قوم : إنّه تمدّح بنفي الإدراك عن نفسه ، والإدراك غير الرؤية .
وقال آخرون : إنّما تمدّح بنفي الرؤية عنه في الدنيا دون الآخرة .
وقال آخرون : إنّه تمدّح بنفي إدراك هذه الحاسّة له ، وإن صحّ أن يرى بحاسّة سادسة .
وقال أهل الحقّ : إنّه تمدّح بنفي الإدراك الذي هو الرؤية عن نفسه على كلّ وجه وفي كلّ حال .
وهذا إجماع لا يقدح فيه خلاف من نعلمه « 2 » أن يخالف فيه حادثا ؛ لأنّ ذلك يقتضي استقرار « 3 » إجماع على شيء من الأشياء .
على أنّ سياق الكلام ، وترتيب الآيات الثلاث إلى قوله تعالى
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
، يقتضي كون جميع ما تضمّنه الكلام من نفي وإثبات مدحا ؛ لأنّ العادة لم تجر للعرب الذين خوطبنا بلسانهم ، أن يتمدّحوا بخطاب على هذا النسق ، ويحلّلوا بينه وبين ما لا يقتضي المدح ولا له مدخل فيه .
هامش
( 1 ) . في الأصل : حكم .
( 2 ) . في الأصل : لعله .
( 3 ) . في الأصل : الاستقر .