تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
أوّلها : ما قدّمناه من أنّ أهل اللغة الّذين إليهم نرجع في معاني هذه الألفاظ ، لا يفرّقون بين قول القائل « أدركت ببصري » و « رأيت وأحسست » ، فمن ادّعى أنّ الإدراك بمعنى الإحاطة ، كمن ادّعى ذلك في الرؤية والاحساس . وثانيها : إنّ الإدراك لا يستعمل في موضع من المواضع بمعنى الإحاطة . ألا ترى أنّهم لا يقولون « أدرك السور المدينة » و « أدرك الجراب الدقيق » ، وإذا كان مع الإطلاق لا يريدون بلفظة « الإدراك » الإحاطة ، فأحرى أن لا يريدوا ذلك مع التقييد بالبصر . ثالثها : إنّ الذي نفاه تعالى عن نفسه من الإدراك في الآية الكريمة ، هو الذي أثبته لها ، وقد علمنا أنّه لم يرد بقوله تعالى
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
الإحاطة ، بل أراد الرؤية ، فيجب أن يكون ما نفاه كذلك . فإن قالوا : فلم أنكرتم أن يكون الإدراك بالبصر رؤية مخصوصة ، وهي المتناولة للمرئيّ من جميع جهاته ، وأن يكون إنّما نفي هذه الرؤية عن نفسه دون الرؤية المطلقة ؟ قلنا : قد ثبت أنّ أهل اللغة لا يفرّقون بين معنى قولهم « أدركت ببصري » و « رأيت » ، ومن ادّعى فرقا بين الأمرين مدّع لما ليس بمعروف هي الرؤية ، والإدراك بخلافها في هذا المعنى ، وادّعى أنّ المتناولة للشيء من جميع جهاته هي الرؤية ، والإدراك بخلافها في هذا المعنى ، على أنّ هذا القول يوجب ألّا يوصف أحد منّا بأنّه مدرك لشيء من الأجسام في الحالة الواحدة ؛ لأنّه لا يراها من جميع جهاتها ، وكذلك كان يجب ألّا يوصف بأنّه يرى السواد ؛ لأنّه لا جهات له ، وفي علمنا بخلاف ذلك دليل على فساد هذا القول . فإن قيل : كيف يصحّ ما ادّعيتموه من أنّ الإدراك إذا قيّد بالبصر ، لم يفد إلّا الرؤية ، ونحن نجدهم يقولون : « أدركت حرارة الميل ببصري » ، وإذا صحّ هذا جاز أن يكون النفي بالآية هو هذا الضرب من الإدراك ؟ قلنا : أول ما في هذا السؤال إنّا لا نعرف ما تضمّنه مستعملا في لغة العرب ، ولا يقدر المعترض به أن ينشد فيه شعرا لهم ، أو يروى به خبرا عنهم ، فعلى معتمدهم أن يصحّح روايته حتى يلزمنا الكلام على معناه . على أنّ ذلك لو كان مستعملا معروفا ، لم يقدح فيما اعتمدناه ؛ لأنّ الإدراك الحاصل بالبصر على ضربين : أحدهما : يختصّ البصر بأنّه آلة فيه ، وهو الرؤية .
الملخص في أصول الدين — صفحة 244 | الشريف المرتضى