تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
مقابلة ، وإن كانت المرئيّات في الشاهد يفتقر إلى المقابلة ؟ فالجواب عنه : إنّ المقابلة وما جرى مجراها إنّما تكون شرطا في رؤية ما يرى بحاسّة ، وكذلك هو شرط في رؤية من يرى بحاسّة ، وعندنا أنّ القديم لا يرى بحاسّة ، فيراعي فيه الشرط المخصوص بالحاسّة ، وعندكم أنّه تعالى يرى بالحواسّ ، فلا بدّ من أن تثبتوا له شرط المرئيّات بالحواسّ ، فافترق الأمران . دليل آخر : وممّا يدلّ على أنّه تعالى
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 1 » فنفى إدراك الأبصار الذي هو رؤيتها عنه على وجه التمدّح / 63 / ، فوجب القطع على أنّ الرؤية لا يتناوله في حال من الأحوال ؛ لأنّ ما تمدّح تعالى بنفيه وإثباته « 2 » ولم يكن متفضلا « 3 » به ، فلا يكون إثبات المنفي منه أو نفي المثبت إلّا نقصا ، وإذا كان النقص لا يجوز عليه تعالى ، وجب نفي الهوية على جميع الأحوال . فإن قيل : دلّوا على الجملة التي ادّعيتم ؟ قلنا : أمّا « 4 » الذي يدلّ على أنّ الآية متضمّن نفي الرؤية بالأبصار ، فهو أنّ لفظة « الإدراك » وإن كانت متى أطلقت في اللغة احتملت أشياء كثيرة ، كاللحوق والنّصح وإدراك الحرارة والصوت وغير ذلك ، فإنّها إذا قيّدت بنفس البصر اختصّت وزال عنها الاحتمال ، واختصّت بما تكون البصر آلة فيه ، وهو الرؤية دون غيرها ، والذي يدلّ على ذلك أنّ أهل اللغة العربية لا يفصّلون بين قول أحدهم « أدركت ببصري » و « رأيت ببصري » و « أحسست ببصري » ، ولأنّهم يصفون كلّ ما أطلقوا عليه أنّه مدرك بالبصر بأنّه مرئيّ بالبصر ، وهذا واضح في تساوي معنى اللفظين . وبعد ، فلو كانت الرؤية غير الإدراك لوجب انفصالهما ، فلو كان أحدنا لا يعقل لنفسه متى أدرك ببصره الشيء وراء حالة واحدة ، واستحال أن يكون مدركا له ببصره وهو غير راء له ، وأن يكون رائيا له وهو غير مدرك له ببصره ، دلّ على أنّ المعنى في اللفظين واحد . فإن قيل : ما أنكرتم أنّ الإدراك المنفيّ في الآية ، إنّما هو الإحاطة التي لا تجوز إلّا على الأجسام دون الرؤية ؟ قلنا : هذه « 5 » الألفاظ تبطل من وجوه :
هامش
( 1 ) . سورة الأنعام : 103 . ( 2 ) . في الأصل : إثبات . ( 3 ) . في الأصل : منفصلا . ( 4 ) . في الأصل : ما . ( 5 ) . في الأصل : هذا .