إلى أنّ الرائي يحتاج في معنى [ تعين ] المرئيات إلى أن ينبثّ من بصره شعاع يتصل بالمرئيّ أو بمحلّه ، أفرأيتم لو لم ينبثّ هذا الشعاع على الوجه الذي تدّعونه ، أليس كانت الرؤية مقصورة مع حصول المرئي والسلامة من سائر الشروط ، فما المؤمّن لكم من ذلك ؟
ثمّ ما ذا الذي يؤمّنكم أيضا من أن يمسك « 1 » طرف الشعاع ، أو يعدل به عن جهة المرئي ويمنعه من الاتصال به ؛ لأنّ الشعاع جسم يجوز عليه مثل ذلك ، وهذا يؤدّيكم إلى تجويز ما عنيتموه ؟
قلنا : إنّ البصر متى كان سليما صحيحا فلا بدّ من أن يكون ذا شعاع ، ولا بدّ من انبثاثه ونفوذه واتّصاله بالمرئيات مع ارتفاع الموانع ، فما أخرج البصر من أن يكون ذا شعاع ينبثّ تخرجه عن الصحة ، وليس يحتاج في رؤية المرئيات إلى اتصال الشعاع بالمرئي على كلّ حال ، ويكفي في إدراك المرئي أن ينفصل الشعاع ويكون بينه وبين المرئي ضياء ، وإن لم يتصل نفس الشعاع بالمرئي . ألا ترى أنّا حين نفتح أعيننا ندرك الكواكب على بعدها من حيث اتّصل شعاع أبصارنا بشعاع الكواكب ، فأغنى ذلك عن اتّصال شعاعنا بنفس الكواكب .
وليس يجوز مع بعد المسافة واستحالة النظر أن يكون شعاع أبصارنا في مثل هذا الزمان القصير متصلا بالكواكب ، فلو سكّر اللّه تعالى طرف شعاعنا ، ومنعه عن الاتّصال بالمرئي لرأيناه على كل حال إذا كان الضياء بيننا وبينه ، اللّهمّ إلّا أن يحول بيننا وبينه بظلمة ، وكان يجب أن نرى تلك الظّلمة الحائلة ، ولو عدل بطرف « 2 » الشعاع عن جهة المرئي إلى غيره لأخلّ ذلك بصحّة « 3 » العين وأوجب اختلافا في النظر ، حتى يصير بمنزلة الحول الذي يرى معه الشيء كأنّه شيئان ، ومتى لم يجد الإنسان ذلك من نفسه وكان بصره صحيحا ، فلا بدّ من نفيه بما شاهده ، وأن يكون غير مجوّز لشيء ممّا سألنا عنه .
فأمّا الكلام على الفصل الخامس من القسمة المتقدّمة : فهو إنّا لو كنا مدركين له تعالى لوجب أن نعلمه ؛ لأنّ من شأن العاقل إذا أدرك شيئا مع ارتفاع اللبس أن يعلمه ، ولا يجوز مع كمال عقله [ أن ] يدركه ولا يعلمه ، واللبس الذي يجوز أن يعرض في المدركات لا يصحّ عليه تعالى ؛ لأنّه الحلول أو المجاورة أو كون المرئي يطرأ لغيره ومشبّها « 4 » له ، وكلّ ذلك
هامش
( 1 ) . الظاهر في الأصل : نشك .
( 2 ) . الظاهر في الأصل : بتطرف .
( 3 ) . في الأصل : بفتحه .
( 4 ) . في الأصل : شبها .