فأمّا البهيمة ، فلا بدّ متى كانت عالمة بانتفاء المدرك من بين يديها أن تكون عالمة بأنّه لو حضر لأدركته ؛ لأنّ أحد العلمين إذا كان أصلا للآخر لم يجز حصول الفرع من دون أصله ، واستبعاد ذلك في البهيمة لا معنى له .
ويقال لمن ادّعى أنّه يجوز حضور « 1 » الأجسام العظام بين يديه ، وإن لم يدركها مع السلامة وارتفاع الموانع ، وعوّل في الثقة بما يدركه وانتفاء ما لا يدركه على حصول العلم في قلبه : أليس هذا العلم الذي تدّعي حصوله لك غير واجب ، بل هو مستند إلى اختيار مختار ، إن شاء فعله وإن لم يشأ لم يفعله ؟ ولا بدّ من الاعتراف بذلك ؛ لأنّه لا سبب على مذهبه يوجب حصول هذا العلم للعاقل في كلّ حال .
فيقال له : فمن الذي يوفيك من أن يكون كثيرا من العقلاء لم يعلموا ذلك ، من حيث لم يعقل لهم هذا العلم ؟ وعلى هذا / 62 / فيجب أن تصدّق من خبّرك عن نفسه بأنّه لا يعلم أنّه لا فيل بحضرته .
فإن قال : لم يؤمّنني من ذلك أنني باختيار نفسي وحال غيري ، قد علمت أنّ هذا العلم ممّا جرت العادة بحصوله للعقلاء ، كسائر ما تجري العادات ، فلا أجوّز صدق من خبرني بخلافه .
قيل له : أوّل ما في هذا أنّ العادات لا تجب أن تتساوى فيها جميع البلاد والأقطار ، واختلاف العادات باختلاف الأماكن ظاهر ، فأجيز « 2 » أن يكون بأقاصي خراسان والصين عقلاء لا يعلمون ما ذكرناه مع السّلامة ، كما أنّا كلّنا نجيز أن يخالف عادة من بعد عنّا لعادتنا .
وبعد ، فإنّ العلم بما ذكرناه نجد استمراره في العقلاء بالشروط التي راعيناها ، على حدّ لو كان واجبا وغير مستند إلى اختيار مختار لم يزد عليه ، فلو جاز أن ندّعي حصوله بالعادة ، لجاز حصوله في جميع ما جرى مجراه من انتفاء السواد والبياض وإيجاب العلّة للمعلول وانتفاء الحياة عند قطع الرأس ، وهذه طريقة تؤدّي إلى خلط العادات بالواجبات ، وكلّ شيء يفصل بين واجب ومعتاد هو قائم في العلم الذي ذكرناه .
فإن قيل : إن كان الشك في المشاهدات وتجويز حضور ما لا ندركه وإن أدركنا أمثاله ، يلزمنا على ما نذهب إليه بما في الباب فهو أيضا لازم لكم من وجه آخر ؛ لأنّكم تذهبون
هامش
( 1 ) . في الأصل : لحضور .
( 2 ) . في الأصل : فاجز .