إمّا أن تقولوا : إنّ جميع مخالفيكم في هذه المسألة لا يعلمون ابتداء أنّه لا فيلة بحضرتهم ، وهذا ممّا قد علم ضرورة بطلانه ؛ لأنّكم تعلمون أنّهم عالمون بذلك .
أو تقولوا : إنّهم يعلمون مع التجويز الذي ذكرتم أنّه يمنع « 1 » من العلم ، فينقض ما أصّلتموه ؟
قلنا : لا بدّ من أن يكون مخالفونا في هذا الباب عالمين بانتفاء ما ذكر في السؤال ، واثقين بأنّه ليس بحضرتهم إلّا ما قد أدركوه وعلموه ، إلّا أنّهم مع ذلك غير مجوّزين لحضور ما ذكرناه من غير أن يدركونه ، ولا بدّ من أن يكونوا عالمين بأنّه لو حضر لأدركوه ، وليس يخبر بخلافه ذلك عن نفسه جماعة لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هي عليه ، بل لا نجد من يبلغ إلى هذا الحدّ في هذه المسألة ، إلّا نفرا نجوّز على مثلهم دفع ما يجدونه والإخبار بخلافه ، كما أنّهم يخبرون عن أنفسهم في باب الكسب الذي لا يعقله أحد بخلاف ما يجدونه .
وليس يمتنع مثل هذا على مثل قلّ عدده من أصحاب المذاهب الباطلة ، ولا فرق بينهم في هذه الدعوى الباطلة ، وبين من خبّرنا بأنّه يعلم حال الجسم وإن لم يعلم ذاته ، ويعلم المدركات وإن لم يدركها ، ولم يخبره صادق عنها ، في أنّا نعلم كذبه من حيث ادّعاء حصول الفزع وانتفاء الأصل ، على أنّ هؤلاء إنّما يجوّزون حضور ما لا يدركونه كأن يحصل في أبصارهم ضدّ الإدراك الذي هو كالآفة للبصر ، والمخرج له عن تكامل صحّته ، وليس يجوّزون ألّا يدركونه والبصر خال من الآفات وما جرى مجراها ، فقد آل الأمر إلى ما قلناه .
فإن قيل : ألستم تجوّزون أن يخلق اللّه تعالى مثل من تعرفونه من أولادكم أو إخوانكم حتى لا يغادر منه شيئا ، ومع هذا التجويز متى غاب عنكم أحد ممّن ذكرناه ، ثمّ شاهدتموه ثانيا علمتم أنّه الذي شاهدتموه أوّلا ولم تشكّوا فيه ، وكذلك أنتم مجوّزون لأن يقيم اللّه تعالى أهل القبور من قبورهم ، وأن يقلّب ماء دجلة زيتا ورمل عالج ذهبا ، وأنتم الآن قاطعون على أنّ شيئا من ذلك لم يكن ، فلم يمنع التجويز في جميع ما ذكرناه من العلم والثقة ، وهذا ينقض ما تقدّم من كلامكم ؟
قلنا : إنّا لم نقل أنّ التجويز لشيء يمنع من حصول العلم بخلافه ، وإنّما منعنا من حصول
هامش
( 1 ) . في الأصل : يعلم ، وفي الهامش : يمنع .