السمت الذي ينفذ فيه مؤثّرا فيه ، فالقرب المفرط الذي يصير به القريب مماسّا للعين أو في حكم المماسّ لها يؤثّر ، من حيث يمتنع معه خروج الشعاع ونفوذه في سمته ، والحجاب يقطعه عن الاتصال ، والبعد يفرّقه عن نظامه ويبدّده ، والرقّة واللطافة يقتضيان التباسه ، وكون المرئيّ في غير جهة المحاذاة مخلّ بسمت الشعاع ، فقد بان جهة تأثير هذه الأمور .
فأمّا الدلالة على أنّه لا مانع سوى ما عددناه فهو : إنّه ليس يعقل سوى ما ذكرناه ، وتجويز مانع لا يعقل يؤدّي إلى الجهالات ، وإلى أن يجوز أن يكون بحضرتنا من الأشخاص ما له صفة ما نشاهده وإن لم نره لمانع غير معقول ، وهذا يقتضي الشك في المشاهدات ، وارتفاع الثقة بها ، والتباس ما يصحّ أن يرى بما لا يصحّ ذلك عليه .
ويمكن أن يقال : إنّ المعدوم مرئيّ في نفسه وإن لم نره لمانع غير معقول ، ويؤدّي أيضا إلى التباس ما يجوز أن يكون مقدورا لنا بما يستحيل ذلك فيه ، فيقال في كلّ أمر تعذّر علينا من الجمع بين الضدّين وفعل الأجسام وقلب الأجناس إلى غير ذلك ، إنّه إنّما امتنع لمانع مجهول ، وكما يجب القطع على أنّ كلّ ما تعذّر علينا فعله ، مع ارتفاع الموانع المعقولة ، فهو غير مقدور لنا ، ولا ممّا يجوز أن نكون قادرين عليه ، وذلك ما لا نراه مع السلامة وارتفاع الموانع المعقولة .
وليس لأحد أن يقول : ما أنكرتم أن يكون المانع من رؤيته تعالى ضعف شعاع أبصارنا ، ومتى قوي رأيناه ، وهذا مانع معقول ؟
وذلك أنّ ضعف الشعاع إنّما يمنع على وجه معقول ، وهو أن يكون المرئيّ رقيقا أو بعيدا أو لطيفا ، ولهذا يجري تقوية الشعاع في هذا الباب مجرى تغيّر المرئي في نفسه وخروجه من الرقّة إلى الكثافة ومن البعد إلى القرب ، فالوجه الذي يصحّ أن يكون ضعف الشعاع مانعا معه لا يصحّ على القديم تعالى ، فلا يصحّ أن يثبت مانعا من رؤيته .
ولا فرق بين أن نثبته مانعا من رؤيته على وجه غير معقول ، وبين أن نثبت مانعا غير معقول ، على أنّ قلّة الشعاع لا يخلو من أن تكون مانعة من الرؤية بنفسها ، أو بشرط كون المرئيّ على صفة ، وقد علمنا أنّه لا يكون مانعة بنفسها ، بدلالة أنّ رؤية الكثيف والقريب يصحّ معها ، ولو كانت تمنع بنفسها لامتنعت معها رؤية جميع المرئيات ، فثبت أنّها مانعة بشرط كون المرئيّ على صفة ، فلا بدّ إن كان ضعف الشعاع مانعا من رؤيته تعالى أن يكون
الملخص في أصول الدين — صفحة 233
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٢٣٣