أيضا تجويز أن يرى بتلك الحاسّة الأشياء على خلاف ما هي عليه .
الكلام في الفصل الثاني من القسمة المتقدّمة : فأمّا الكلام في أنّ الموانع المعقولة المؤثّرة في الرؤية هي القرب المفرط نفسه ، / 59 / فهو أنّ الموانع المعقولة المؤثّرة في الرؤية هي القرب المفرط والبعد المفرط والحجاب والرقّة واللطافة ، وكون المرئي في غير جهة محاذاة الرائي ، أو كون محلّه ببعض هذه الأوصاف ، وقد علمنا أنّ جميع هذه الموانع لا يجوز عليه تعالى ، من حيث لم يكن جسما ولا جوهرا ولا ممّا يحلّ الأجسام والجواهر .
فإن قيل : دلّوا أوّلا على كون ما ذكرتموه من الوجود « 1 » موانع ، ثمّ بيّنوا جهة تأثيرها في المنع ، ثمّ دلّوا على أنّه لا مانع سواها ؟
قلنا : لا شيء أبلغ في كونها موانع من وجودنا الرؤية تصحّ عند ارتفاع جميعها ، ولا تصحّ عند ثبوت كلّ واحد منهما على طريقة واحدة وبهذه الطريقة ، وعلى هذا الوجه من الاعتبار نعلم الموانع من الأفعال ، لكن هذه الموانع على ضربين :
أحدهما : يمنع لمجرّده كالحجاب ، ويجوز أن يلحق بذلك القرب المفرط .
والضرب الآخر : يمنع بشرط كون المرائي على بعض الصفات ، كالرقّة واللطافة والبعد أيضا على بعض الوجوه ، وكون المرئيّ في خلاف جهة محاذاة المرائي ؛ لأنّ اللطافة والرقّة إنّما يمنعان من ضعف شعاعه وقلّته ، ولو قوى الشعاع لم يمنعا ، وكذلك البعد على بعض الوجوه .
فأمّا كون المرئي في خلاف جهة القبلة المحاذاة ، فإنّما يمتنع مع فقد الآلة التي يجعله في حكم المقابل كالمرآة ، وإذا حضرت فيه هذه الآلة لم يكن ذلك منعا ، وتجري الموانع من الرؤية في هذه القسمة مجرى الموانع من الأفعال ؛ لأنّها أيضا تنقسم إلى ما يمنع الأفعال بنفسه ، كالعلوم الضرورية والقيد ، وإلى ما يمنع بشرط كالنقل ؛ لأنّه يمنع بشرط قلّة القدر ، ولهذا قد يحرّك الجسم الثقيل من امتنع عليه تحريك حتى زيد قدرا « 2 » .
فأمّا الكلام في كيفية تأثير هذه الأمور التي ذكرناها في المنع فهو : إنّ من شرط صحّة البصر وكونه آلة في الرؤية ، أن ينفصل منه شعاع على سمت مخصوص ، وله قدر ونظام مخصوص ، فما أثّر في ذلك كان منعا ، ولهذا كان ما قطعه أو التبس به أو فرّقه أو غيّر
هامش
( 1 ) . في الأصل : الوجوه .
( 2 ) . كذا في الأصل .