تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
أدركناه ، وعندكم أنّ الضرير مع أنّه مجوّز ، لأنّ يكون ذلك بحضرته ولا يدركه ، [ و ] يجوز أن يفعل اللّه تعالى في قلبه العلم بأنّه لا جسم بحضرته ، وكذلك حكم البصير في الأجسام اللطاف ، وأنّه يجوز أن يفعل اللّه تعالى في قلبه العلم بأنّه لا ملك ولا جنيّ بين يديه ، وقد يعلم أيضا الضرير بخبر صادق أنّه لا جسم بحضرته ، ومن غمض عينيه يعلم أنّ ملك الروم لم يحضره ، وإن كان التجويز الذي ادّعيتموه أنّه مانع من العلم ثابتا في كلّ ذلك ؟ قلنا : ما ادّعينا أنّ أحد العلمين مستند إلى الآخر على كلّ حال ، وإنّما قلنا : إنّ العلم بانتفاء المدرك إذا كان عن طريقه الإدراك فهو مستند إلى العلم بأنّه إذا حضر وجب إدراكه ، فليس يقدح شيء ممّا ذكرته فيما اعتمدناه ؛ لأنّا وإن جوّزنا أن يفعل في قلب الضرير العلم بأنّه لا جسم بحضرته ، وفي البصير مثل ذلك في الجنّي والملك ، فإنّما يجوز ذلك لا عن طريق الإدراك ، بل على سبيل الابتداء ، وإذا لم يكن هذا العلم على هذا الوجه مستندا إلى الإدراك ، لم يمتنع حصوله لمن جوّز أن يكون بحضرته ما لا يدركه ، ومن لم يكن عالما بأن ما بحضرته لا بدّ أن يدركه ويعلم . وليس يمتنع أن يكون أحد العلمين أصلا للآخر متى كان عن طريق مخصوص ، وإن لم يكن أصلا له على كلّ حال ، كنحو تعلّق علمنا بأنّه تعالى حيّ ، لعلمنا أنّه قادر ، وعلمنا بإثبات ذاته تعالى لعلمنا بحدوث الأجسام أو ما يجري مجراهما من الأعراض التي لا يقدر عليها سواه ؛ لأنّ تعلّق بعض هذه العلوم ببعض واستناده إليه ، متى كان عن الاستدلال والاكتساب كان كذلك ، ولو كان ضروريا لم يجب ذلك فيه . ألا ترى أنّه جائز أن يفعل تعالى فينا العلم بأنّه حيّ ضرورة ، وإن لم نكن عالمين بأنّه قادر ، وكذلك يفعل فينا العلم بذاته وصفاته قبل العلم بحدوث الأجسام وما يجري مجراها ممّا يدلّ عليه ، وإنّما العلم الذي يستند إلى غيره على كلّ حال ، هو العلم بالحال والذات ؛ لأنّه لا يجوز العلم بحال الذات على وجه من الوجوه ، إلّا بعد تقدّم العلم بها . فأمّا علم الضرير أنّه جسم بحضرته ، فهو أيضا خارج عمّا أثبتناه ؛ لأنّه إنّما يعلم ذلك من طريق الاستدلال لا الإدراك ، وكذلك على من غمض بأنّه « 1 » ليس بين يديه ملك الروم ؛ لأنّه أيضا يستدلّ على انتفاء ذلك من حيث لو كان لانتشر « 2 » الخبر بوروده ، ولتقدّمت لذلك مقدّمات لم تحصل ، وكلّ هذا خارج عمّا منعنا منه .
هامش
( 1 ) . في الأصل : فإنه . ( 2 ) . في الأصل : لا نقش .