كان حيّا صحيح الحواس وارتفعت الموانع وجد المرئي ، فلا بدّ من كونه رائيا له ، فإذا سلّم لنا ذلك ، لم يضرّنا أن نسند إلى وجود رؤية يجب وجودها ، والذي نقصد إلى رفعه الآن أنّ الرؤية لا تجوز أن تكون ممّا يصحّ ثبوتها وانتفائها معا ، مع الشروط التي ذكرناها ، وإذا صحّ ذلك ، فقد تمّ ما أردنا .
ولعلّنا أن نتكلّم على أنّ الرؤية لا تكون متولّدة ، ولا ممّا يجب وجودها عند احتمال المحلّ لو كانت معنى فيما يأتي من الكتاب ، إن عرض ما يقتضيه بمشيئة اللّه وعونه .
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون أحدنا يحتاج في رؤية القديم تعالى إلى حاسّة سادسة ، فليس يجب إذا كان صحيح « 1 » الحاسّة على ما ذكرتم أن تكون على الصفة التي معها يصحّ أن يرى جميع المرئيات ؟
قلنا : فليس يخلو من أن يكون يرى بتلك الحاسّة الرؤية المعقولة التي تحصل بهذه العيون ، أو أن يرى بها على طريقة أخرى لا نعقل .
والوجه الأوّل : يقتضي أن نراه بهذه العيون ؛ لأنّ اختلاف صفات حاسّة الرؤية لا يمنع من الاشتراك في الرؤية . ألا ترى أنّ العيون قد تختلف في السعة والضيق والزرقة والكحل وما أشبه ذلك من الصفات ؟ مع اتّفاقها في أنّ ما يصحّ أن يرى ببعضها يرى يسارها « 2 » ، وجرت حاسّة الرؤية مجرى القدر في أنّها وإن اختلفت ، فجنس ما يفعل بالجميع لا يختلف .
وأمّا الوجه الثاني : فهو خارج عمّا نحن بسبيله ؛ لأنّ كلامنا إنّما هو في نفي الرؤية المعقولة عنه تعالى ، على أنّ ما لا يفعل لا يصحّ إثباته ولا الكلام عليه ؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى الجهالات ، ولا فرق بين من أثبت رؤية على خلاف ما يعقل ، وبين من أثبت ذلك في العلم وغيره من الأجناس .
وممّا يقال على هذا الوجه : إنّه لو كان في المقدور حاسّة سادسة يدرك بها ما لا يدرك بهذه الحواسّ ، لوجب أن نجد النقص لفقد هذه الحاسّة ، ونحسّ بالحال الداخل علينا لارتفاعها ، كما يجد الضرير ذلك عند فقد حاسّة العين ، والأكمه الذي لم ير قطّ ولم يعرف كيفية الإدراك بهذه الحاسّة ، على أنّ الذاهب إلى الحاسّة السادسة يلزمه ما لا يلزمه « 3 » به من تجويز إدراك جميع الذوات الموجودات بتلك الحاسّة ، وإدراك المعدومات أيضا ، ويلزم
هامش
( 1 ) . في الأصل : صحيحا .
( 2 ) . كذا في الأصل .
( 3 ) . بياض في الأصل .