تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
ومخرج من كمال العقل الذي لا بدّ من ثبوت الثقة بالمدركات في النفي والإثبات معه . وبعد ، فإنّ القول بخلاف ما ذكرناه يؤدّي إلى التباس ما يصحّ أن يكون مرئيا في نفسه بما يستحيل الرؤية عليه ، وذلك مؤدّ إلى التباس ما يصحّ أن يكون مقدورا له بما يستحيل كونه بهذه الصفة ، وإنّما قلنا ذلك ؛ لأنّ الطريق إلى تمييز المقدور من غيره هو بأن ننظر ، فما « 1 » تعذّر على أحدنا - مع كونه قادرا ، وحصول الدواعي وارتفاع الموانع - قضينا على « 2 » أنّه يستحيل كونه مقدورا له ومفعولا من جهته ، وما تعذّر على خلاف هذه الوجوه لم يقض بذلك فيه ، وهذا بعينه هو الطريق إلى تمييز ما يصحّ أن يكون مرئيا في نفسه ممّا يستحيل الرؤية عليه ؛ لأنّا متى لم نقض بأنّ ما لا نراه - ونحن على الصفة التي معها ، نرى المرئيات ، والموانع المعقولة مرتفعة - غير مرئيّ في نفسه ، التبس ما يصحّ رؤيته ، بما يستحيل رؤيته ، ولم نأمن أن يكون جميع الموجودات بل المعدومات التي لا شبهة فيها مرئية في نفوسها ، وإن كنّا الآن لا نراها . فإن قيل : كلّ الذي أوردتموه من إلزام الجهالات ، إنّما يلزم لو لم نكن عالمين ضرورة بانتفاء ما ذكرتموه من المدركات ، وهذا العلم قد حصّل الثقة بكيفية ما ندركه ، وانتفاء ما لا ندركه ، وإن كنّا لا نجوّز « 3 » قبل حصوله فينا حضور ما عدّدتموه من المدركات ، وإن لم ندركه ونعلمه . قلنا : إنّ العلم بانتفاء المدرك من حضرتنا متى كان طريقته الإدراك مستند إلى العلم ، بأنّه إذا حضر وجب أن ندركه ، ولا يجوز حصوله لمن جوّز كون ذلك بحضرته وهو لا يدركه ولا يعلمه ؛ لأنّ العلم الأوّل مستند إلى الثاني ، والعلم الثاني طريق له ، ولا يصحّ حصوله من دونه ، يبيّن ذلك أنّ الضرير والمغمض لمّا جوّزوا أن يكون بحضرتهما أجسام كثاف وهما لا يدركانها ، لم يعلما أنّه لا جسم بحضرتهما ، وكذلك البصير لمّا جوّز أن يكون بحضرته ملك وجنّيّ وما أشبههما من الأجسام اللطاف ، لم يعلم أنّ ذلك ليس بحضرته ، فثبت أنّ العلم بانتفاء المدرك مستند إلى العلم بأنّه إذا حضر وجب إدراكه والعلم به ، وإنّ من جوّز خلاف ذلك لا يثق بانتفاء المدركات . فإن قيل : كيف يصحّ دعواكم بأنّ العلم بأنّه لا جسم بحضرتنا مستند إلى أنّه لو كان
هامش
( 1 ) . في الأصل : فلما ، وفي الهامش : فما . ( 2 ) . في الهامش : عليه . ( 3 ) . في الهامش : وان كنا نحور .