حكم ذلك الإدراك راجعا إلى من نرجع حكم الحياة إليه ؛ لأنّ العرضان « 1 » إذا وجدا على وجه ، وكانا ممّا يوجبان « 2 » الصفة ، فإنّ أحدهما يوجب الصفة لما يوجبها له المعنى الآخر ، ولهذا نقطع على أنّ جميع ما فينا من القدر والعلوم توجب الصفات لنا دون غيرنا ، ولا يجوز وجود ذلك المعنى في غير محلّ ؛ لأنّ الإدراك لو كان معنى لوجب أن يكون له تأثير في المحلّ ، ويجري في ذلك مجرى ما قلناه في الحياة ، وما دللنا به على استحالة وجودها لا في محلّ يدلّ في الإدراك على مثله .
ومنها : إنّ أحدنا لو كان رائيا لمعنى ما ، امتنع أن يرى المحجوب والغائب ؛ لأنّ الحجاب والغيبة لا تحوجان العين من احتمالها لوجود الرؤية فيها .
وليس لأحد أن يقول : فكيف لا يلزمكم مثل ذلك ، بأن نفيتم أن تكون الرؤية معنى ؟
وذلك أنّ أحدنا لمّا كان يرى المرئيّات إلّا بحاسّة صحيحة على صفة ، وجب اعتبار تكامل ذلك ، وقد علمنا أنّه لا يرى بحاسّته إلّا بأن ينفصل منها شعاع على وجه مخصوص ، فما أثّر في هذا الشعاع وجب أن يخلّ بالرؤية ، وقد علمنا أنّ الحجاب يقطعه عن الاتّصال ، وكذلك البعد يفرّقه ويبدّده ، ولهذا نرى القريب دون البعيد والظاهر دون المحجوب ، وما قاله الخصم بخلاف ذلك ؛ لأنّه أثبت معنى يوجب كونه رائيا ، فمتى كان المحلّ محتملا له ، فلا بدّ من صحّة وجوده ، كان المرئي محجوبا أو ظاهرا أو حاضرا أو غائبا .
ومنها : إنّ الرؤية لو كانت بمعنى « 3 » يفعله اللّه تعالى ، وهو مختار لأفعاله غير ملجأ إليها لصحّ ، مع كون أحدنا حيّا ، وصحّة حواسه ، وحضور المرئي ، وارتفاع الموانع ألّا يفعله أو يفعله لبعض الأشياء دون بعض مع تساويها في الأحكام ، وهذا يؤدّي إلى الشك في المشاهدات وإلى الجهالات التي سنشرحها فيما بعد .
وليس لأحد أن يعترض ما ذكرناه بأن يقول : إنّ مع الشروط التي ذكرتم لا بدّ من وجود الرؤية ، « 4 » أمّا من حيث احتملها المحلّ ولا بدّ من وجوب ما احتملها المحلّ ، أو من حيث أنّ الفتحة أو بعض الأمور التي شرطتم تولّد الرؤية .
وذلك أنّ غرضنا يتمّ مع التجاوز عن إبطال هذه المذاهب ؛ لأنّا إنّما نحاول أنّ أحدنا إذا
هامش
( 1 ) . في الأصل : العرضين .
( 2 ) . في الأصل : يوجب ان .
( 3 ) . في الأصل : معنى .
( 4 ) . في الأصل : + و .