يمكن بعد استعمالها أن تكون حقيقتها / 56 / إلّا ما ذكرناه ؛ لأنّ ما عداه لا شبهة في أنّها لم توضع له ، وإنّما استعملها الشاعر تشبيها بالحقيقة ؛ لأنّه جعل الزائد في الفخر والمجد كالتزايد في الطول والعرض والعمق ، كما جعل الذروة التي تستعمل في أعلى الجبل وما أشبهه مستعملة في غيره .
على أنّ الشّبهة « 1 » في قوله جسم وهو جسيم « 2 » ، ولا يمكن رفع ذلك من استعمالهم ، وكلّ ما جاء منه « فعيل » صحّ منه « أفعل » ، [ وهو ] على مقتضى لغتهم قياس مطرد ، ولهذا يقولون : ظريف وأظرف ، وكرم الرجل فهو كريم وأكرم .
ويمكن أيضا أن يقال : لفظة « فعيل » تقتضي المبالغة عندهم بغير شكّ ، وقد وجدناهم يقولون جسيم « 3 » لما زاد ذهابه في الجهات ، فيجب أن يكون قولنا جسم موضوعا لما عند الزيادة فيه يقال جسيم ؛ لأنّ حكم الجسيم في باب المبالغة حكم أجسم .
وهذه الجملة التي ذكرناها ، تبطل قول من ذهب في الجسم إلى أنّه هو القائم بنفسه ؛ لأنّ هذه الصّفة لا يصحّ فيها التزايد والتفاضل ، وقد بيّنّا أنّ وصف الجسم بأنّه جسم يدخله التزايد .
ويبطل أيضا قول من ذهب إلى وصف الجسم بأنّه جسم ، يفيد أنّه مؤلف أو أنّه موضوع للجوهر - على ما يحكى عن الصّالحي « 4 » - ؛ لأنّ كلّ ذلك لا يصحّ فيه معنى التزايد ، وإن كان لو ثبت أنّه يفيد المؤلف أو الجوهر لكان يجب من نفيه عن اللّه تعالى - من حيث لم يكن بهذه الصفة - مثل ما يجب من نفيه إذا كان مفيدا ، لما ذكرناه من أنّ من وصفه تعالى بأنّه جسم من حيث كان قائما بنفسه ، يلزمه أن يصفه بأنّه جوهر ؛ لأنّه قائم بنفسه ، وإنّما يوصف جملة الجسم بذلك لاختصاص كلّ جوهر منه بهذه الصفة .
وليس يخلو أيضا قوله « قائم بنفسه » ، من أن يريد به استغنائه عن محلّ ومكان ، أو يريد أنّه ممّا يبقى ويدوم وجوده ، ولا يحدّده الفاعل في كلّ حال .
فإن أراد الأوّل ، لزمه أن يسمّى إرادة القديم تعالى وكراهته ، وفناء الجواهر بذلك ،
هامش
( 1 ) . في الأصل : أنّه في شبهة .
( 2 ) . في الأصل : جسم .
( 3 ) . في الأصل : جسم .
( 4 ) . الظاهر أنّه صالح بن عمر الصالحي رأس الصالحيّة ، وعدّه الشهرستاني في الملل والنحل من فرق المرجئة ، وجعله في عداد محمّد بن شبيب وأبو شمر وغيلان ممّن جمعوا بين القدر والرجاء .