الذوات ، لم يجز إجرائها عليه إلّا على وجه اللقب دون الإفادة ، وقد ثبت أنّ المعنى المستفاد من وصفنا الجسم بأنّه جسم لا يصحّ على اللّه تعالى ، وتلقيبه أيضا به لا يحسن ، فيجب أن لا يوصف بأنّه جسم على وجه من الوجوه ، فالذي يدلّ على أنّ معنى الجسم لا يجوز عليهم ، أنّهم وضعوا هذه اللفظة لما جمع الطول والعرض والعمق .
يبيّن ذلك أنّهم يصفون ما زاد فيها به في جهة الطول والعرض بأنّه أجسم من غيره ، ولا يصفونه بأنّه أجسم متى زاد لونه أو بعض صفاته ، وهذه اللفظة يعني لفظ « أفعل » ينبئ في موضوعهم عن الزائد ، ولا يدخل عندهم إلّا بين شيئين اشتركا في صفة فيهما التزايد والمبالغة ، واستعملوها في كلّ صفة أمكن فيها التزايد على الوجه الذي ذكرنا ، فدلّ قولهم أجسم فيما زاد طوله وعرضه وعمقه ، على أنّ قولهم جسم يفيد الطول والعرض .
ولا يقدح فيما ذكرناه قوله تعالى :
أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ
« 1 » وأنّه أدخل لفظة « أفعل » فيما لم يشتركا في الصفة .
وذلك أنّ الكلام قد يخرج كثيرا في لسان العرب على حسب اعتياد المخاطب ، وإذا كان العامل أعمال أهل النار والمؤثّر لها على ما يعقبه الجنّة ، كأنّه قد اعتقد أنّ الذي عمل له خير ممّا لم يعمل له ، جاز أن يقال : الذي اعتقدته وعملت له خيرا أنّ كذا وكذا ، وقد قيل في ذلك أنّ لفظة « أفعل » يقتضي ما ذكرناه إذا كانت خيرا ، فأمّا إذا خرجت مخرج التقريع والتهديد ، جاز أن يراد بها خلاف ذلك على جهة المجاز .
فإن قيل : ومن أين لفظة « أجسم » من كلام العرب الذين يحتجّ بلغتهم ؟
قلنا : لا شبهة في ذلك على من تأمّل خطابهم ، وقد قال عامر بن الطفيل « 2 » :
وقد علم الحيّ من عامر * بأنّ لنا ذروة الأجسم « 3 »
والشاعر وإن لم يقصد بقوله هذا إلى ما ذكرناه من معنى الزائد في الطول والعرض والعمق ، فقوله شاهد لنا على أنّ هذه اللفظة مستعملة عندهم ، معروفة في خطابهم ، وليس
هامش
( 1 ) . سورة الفرقان : 15 .
( 2 ) . هو عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر العامري ، أحد فتّاك العرب وشعرائهم وساداتهم في الجاهلية ، ولد ونشأ في نجد وأدرك الإسلام ولم يسلم ومات كافرا سنة 11 للهجرة .
( 3 ) . ديوان عامر بن الطفيل : 121 .