قلنا : يفسد ذلك من جهة أنّ ما عليه الذات متى اقتضى حكما ، وجب أن يقتضيه متى وجد ، ولا يجوز مع الوجود ألّا يقتضيه ، كالجوهر لمّا اقتضى ما هو عليه في ذاته تحيّزه اقتضاه مع الوجود ، ولم يقف على أمر زائد على الوجود ، فلو كان ما هو تعالى عليه في نفسه يقتضي الحلول ، لاستحال وجوده ، فهو غير حالّ ، وقد بيّنّا أنّ ذلك يقتضي قدم الجوهر .
وأيضا : فإنّ ما يجب للموصوف من الأحكام لما هو عليه في ذاته ، يجب أن نبيّن به من غيره ولا يشاركه فيه ما خالفه ، أو لا يشاركه في كيفية استحقاقه ، ولهذا لا يصحّ أن يشارك الجوهر في التحيّز ما خالفه ، ولا يشارك القديم تعالى في كيفيّة كونه عالما وقادرا ما خالفه ، وقد علمنا أنّه لو صحّ الحلول عليه لكانت حالّة كحال جميع ما يحلّ المحال ، في أنّه متى صحّ أن يحلّ ووجد المحلّ وجب حلوله ، فلو رجع صحّة حلوله إلى ما هو عليه في ذاته لاستحال أن يشاركه في هذا الحكم على الوجه الذي استحقّه ما يخالفه من الأعراض .
فإن قيل : ألا جاز أن يجب كونه حالّا في المحلّ عند وجود المحلّ لا لعلّة ولا لبعض ما هو عليه من الصفات ، كما أنّ العرض يحلّ المحلّ لا لعلّة ولا لشيء هو عليه من صفاته ؟
قلنا : إنّما يصحّ ذلك في الأعراض ؛ لأنّ حلوله في المحلّ تابع لحدوثه وكيفية لوجوده ، فجرى مجرى الأحكام التابعة للحدوث من حسن وقبح في الاستغناء عن العلل ، وأنّهما ممّا لا يرجع إلى الذات ، وليس كذلك حاله تعالى لو صحّ عليه الحلول ؛ لأنّه كان يحلّ المحلّ بعد أن لم يكن حالّا مع وجوده في الحالين ، وكلّ صفة وجبت للموجود بعد أن لم تكن واجبة ، ولم تقف على علّة توجبها ، فلا بدّ من أن تقتضيه ما « 1 » الذات عليه ، وإن تعلّق ذلك بشرط ، كما يقولونه في كونه مدركا ، وهذا واضح لمن تأمّله .
فصل فيما يتعلّق بالعبارة في هذا الباب
اعلم أنّ كلّ لفظ أفادت معنى من المعاني ، وعلم استحالة ذلك المعنى في ذات من
هامش
( 1 ) . في الأصل : اما .