لا يجوز أن يقتضي احتمال الأعراض .
فصل في استحالة كونه تعالى في جهة ، من غير أن يكون شاغلا لها
ممّا يدلّ على استحالة ذلك ، أنّه مؤدّ إلى تعدّد الفعل في الغرب والشرق في الحالة الواحدة عليه ، وقد علمنا خلافه .
وأيضا : فلو كان في جهة ، لم يمتنع حصول جوهر بحيث هو ؛ لأنّه لا وجه يمنع من ذلك من تضادّ ولا غيره ، ومتى حصل بحيث هو فلا بدّ من كونه حالّا فيه ؛ لأنّ حالّه لا ينفصل عن حالّة سائر الأعراض الحالّة في ذلك الجوهر ، وسندلّ « 1 » على استحالة كونه تعالى حالّا .
وممّا يدلّ أيضا على ذلك : إنّ ما طريق إثباته الفعل ، لا يصحّ إثباته إلّا على ما يقتضيه الفعل من الصفات إمّا بنفسه أو بواسطة ، فهذه الطريق قد بيّنّاها في باب نفي المائية ، وقد علمنا أنّ طريق إثباته تعالى هو الفعل دون غيره ، فيجب إثبات صفاته من هذا الوجه ، وليس في الفعل ما يقتضي كونه على صفة سوى ما أثبتناه له ، ولا يقتضي كونه في جهة على وجه من الوجوه ، فيجب نفي ذلك ، وقد سقط بما أوردناه جهالة من اعتقد أنّه تعالى فوق العرش وإن لم يكن متحيّزا ، وقوله تعالى
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 2 » وفي موضع آخر
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
« 3 » ، المراد به الاستيلاء ، كما يقال : « استوى فلان على كذا » أي استولى عليه ، قال الشاعر :
فلمّا علونا واستوينا عليه * تركناهم صرعى كسير وكاسر
وقيل : إنّ العرش هاهنا الملك واستشهد بقول الشاعر :
إذا ما بنو مروان ثلّث عروشهم * وأوذوا كما أوذت أياد وحمير « 4 »
وقيل : بل هو اللّه الذي أخبر اللّه تعالى بأنّ الملائكة تحمله ، وإنّما خصّه بالذكر مع استيلائه تعالى على كلّ شيء ، من حيث كان العرش أعظم شيء خلقه ، وإذا كان مستوليا على الأعظم ، فبأن يكون مستوليا على الأصغر أولى ، كما خصّ العالمين بقوله تعالى : ربّ
هامش
( 1 ) . في الأصل : سدل .
( 2 ) . سورة طه : 5 .
( 3 ) . سورة الأعراف : 54 .
( 4 ) . تصحيح الاعتقاد : 59 .