فإن قيل : كلّ الذي ذكرتموه إنّما يدلّ على أنّه تعالى لا يشبه الأعراض المعقولة ، فمن أين أنّه لا يشبه عرضا لا تعقلونه ؟ أوليس قد قال بعضكم : إنّه غير ممتنع أن يكون في مقدور اللّه تعالى لون يخالف ما يعقل من الألوان ، فإلّا جاز قياسا على ذلك نوع يخالف هذه الأنواع ؟
قلنا : إثبات ما لا يعقل ولا يقتضيه الدليل باطل ؛ لأنّه يؤدّي إلى الجهالات التي قد تقدّم ذكرها ، وليس إثبات لون يخالف هذه الألوان يجار مجرى إثبات عرض يخالف جميع الأعراض المعقولة ؛ لأنّ من أجاز ذلك أجازه على وجه معقول ، وبأن يحصل للمحلّ به هيئة ، كما يحصل بالألوان المعقولة ، فلم يخرج بقوله هذا عمّا يعقل .
وليس هذا بمنزلة إثبات عرض لا يعقل ، ولا يجري مجرى المعقول من الأعراض في شيء من الصفات والأحكام ، على أنّ ذلك لو ساغ وجاز لمثبت أن يثبت ما يخالف الأعراض المعقولة ، لاستحال كونه تعالى من جنس ذلك ؛ لأنّه لا بدّ في ذلك الذي أثبت من أن يكون ممّا إذا وجد كان محدثا ، فكيف « 1 » يشبه « 2 » القديم ؟
ولا يسوغ إثبات عرض يخالف ما يعقله من الأعراض ويستحيل وجوده على كلّ وجه ؛ لأنّ الطريق إلى معرفة كون الذات معلومة ، صحّة وجود ما هو من جنسها ، فما لم يصحّ ذلك عليه لا يصحّ أن يعلم ، وكيف يثبت على أنّ الفعل وما يقتضيه الفعل لا يدلّ على كونه بصفة بعض الأعراض ، فيجب نفي ذلك عنه على ما تقدّم ؟
فصل في أنّه تعالى لا يصحّ أن يحلّ غيره
ممّا يدلّ على ذلك أنّ الحلول كيفية في الحدوث ، فالوجود لا ينفصل منهما ، وليس بجار مجرى الصفات التي ينفصل بعضها من بعض ، وإذا صحّ ذلك استحال عليه تعالى الحلول ؛ لأنّه كان يجب أن يكون حلوله غير منفصل من وجوده ، وهذا يقتضي حلوله فيما لم يزل ، ويوجب قدم المحال .
هامش
( 1 ) . في الأصل : وكيف .
( 2 ) . في الأصل : يشتبه .