وإن كان في أحدهما ، يكون ملجأ إلى فعل المشتهي وفي الآخر يكون ملجأ إلى فعل الشهوة والمشتهى معا ، وليس لأحد ملجأ إلى فعل الشهوة والمشتهى معا .
وليس لأحد أن يقول : إنّ من علم أن يتحرّك إصبعه ينال المنافع العظيمة ، إنّما يكون ملجأ إلى ذلك ؛ لأنّه في الحال [ يكون ] مشتهيا لتلك المنافع ، فلهذا كان ملجأ إلى التوصّل إليها ، وهذا بخلاف من فرضناه أنّه غير مشته لشيء ولا محتاج إليه ، وذلك أنّه لا فرق فيما « 1 » ذكرنا حاله بين أن يكون في الحال مشتهيا وبين ألّا يكون كذلك ؛ لأنّا نعلم أنّ العاقل المميّز منّا إذا فرضنا أنّه غير مشته ، لو خيّر بين أن يفعل له الشهوات ويعطى المشتهيات حتى يحصل له المنافع الخالصة العظيمة ، الخالصة من وجوه الضرر كلّه ، وبين أن لا يفعل ذلك له ، لكان محالا « 2 » كالملجإ إلى اختيار ذلك وإن كان في الحال غير محتاج إليه ، ولهذا لو علم المريض المدنف الذي لا شهوة [ له ] في الأطعمة ، أنّه متى حرّك إصبعه على وجه ما « 3 » سبق لعادت شهواته ، ولنال ما يشتهيه على ألذّ الوجوه وأنفعها وأبعدها من الضرر ، لكان ملجأ إلى تحريك إصبعه ، وكذلك الشيخ الهرم الذي فقد شهوات الباه ، إذا فرضنا حاله هذا الفرض ، وهذا بيّن أنّ فقد الشهوة في الحال لا تأثير له فيما قصدناه .
دليل آخر : وممّا استدلّ به على أنّه تعالى لا يصحّ أن يكون مشتهيا ولا نافرا ، إنّه لو صحّ ذلك عليه لكان في الفعل إمّا بنفسه أو بواسطة دلالة عليه ؛ لأنّ الطريق إلى إثبات ذاته وأوصافه هو الفعل أو ما يقتضيه الفعل ، وهذا الأصل قد دللنا على صحّته في باب نفي المائية من هذا الكتاب ، وإذا لم يكن في الفعل دلالة على كونه مشتهيا ولا نافرا ، وجب الحكم باستحالة ذلك عليه .
والذي يدلّ على أنّه ليس في الفعل لا بنفسه ولا بواسطة دلالة على ذلك ، أنّا إذا اعتبرنا صفات الأفعال لم نجد فيها ما يستند إلى كونه مشتهيا حتى لولا كونه كذلك لم يصحّ ، وقد تقدّم بيان ما يدلّ عليه مجرّد صحّة الفعل / 48 / ووقوعه على بعض الوجوه ، مثل كونه خبرا أو أمرا ، وليس لكلّ ذلك تعلّق بكونه مشتهيا لأمرين :
أحدهما : إنّ كونه حيّا ليس بأن يقتضي كونه مشتهيا ، أو لا من أن يقتضي كونه نافرا ، أو
هامش
( 1 ) . في الأصل : فيمن .
( 2 ) . في الأصل : لا محاله .
( 3 ) . في الأصل : لا .