تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
وكان يجب ألّا يخلق منها شيئا ، وقد علمنا خلاف ذلك ، وأن يجوز أن يكون من جنس ما فينا من النفار ؛ لأنّ تعلّقها واحد وذلك يقتضي التماثل ، والمثلان لا يكون أحدهما قديما والآخر محدثا . على أنّا قد بيّنّا أنّه لا يجوز إثبات قديم ، تخالف صفته صفة اللّه تعالى في باب الردّ على أصحاب الصفات ، وفيه إفساد لهذا القول ، ولا يجوز أن يكون نافرا بنفار محدث ؛ لأنّه كان يجب أن يصحّ منه فعل ضدّه ؛ لأنّ القادر على الشيء يجب أن يكون قادرا على جنس ضدّه ، إذا كان له ضدّ ، وهذا يردّنا إلى كونه مشتهيا ، وقد بيّنّا فساد ذلك . فإن قيل : وما الدليل على أنّه لو كان مشتهيا لنفسه أو بشهوة قديمة ، لكان في حكم الملجئ إلى فعل المشتهي معا ؟ قلنا : الدليل على الأولى إنّا نعلم ضرورة في أحدنا ، أنّه متى علم أنّ له في بعض الأفعال نفعا عظيما حاضرا خالصا من وجوه المضارّ ، فإنّه ملجئ إلى فعله ، ولهذا يكون هذا الفعل متى كان بهذه الصفة واجب الوقوع ، لخرج من أن يكون ممّا يستحقّ عليه المدح أو الذمّ ، وإنّما كان فاعل هذا الفعل يلجئ إليه من حيث علم النفع الحاضر العظيم الخالص بدلالة أنّ دواعيه متى تقرب حتى يعتقد أنّ عليه فيه ضررا عظيما ، خرج من أن يكون ملجأ ، وهذا يقتضي ما ذكرناه من حصول الإلجاء عند تكامل ما ذكرناه ملجأ ، وبين من نفى كون المعتقد في الفعل الضرر العظيم الخالص الحاضر ملجأ إلى تركه والهرب منه . فأمّا الدليل على أنّه لو كان مشتهيا بشهوة محدثة ، لكان كالملجإ إلى فعلها وفعل المشتهى معا فواضح أيضا ؛ لأنّه لا فرق عند العقلاء بين أن يعلموا في الفعل نفسه النفع العظيم الخالص ، وبين أن يعلموا أنّه يوصل إلى نفع بهذه الصفة مع انتفاء سائر « 1 » المضارّ في باب الإلجاء ، ولهذا يكون أحدنا ملجأ إلى فعل تحريك إصبعه ، على وجه لا مشقّة فيه على وجه ولا سبب ، متى علم أنّه ينال بذلك المنافع العظيمة الخالصة ، ويستولي به على المنازل السنيّة والممالك الواسعة ، فقد ثبت أنّه لا فرق بين الأمرين من الوجه الذي هو المقصود .
هامش
( 1 ) . في الأصل : سار .