فصل في نفي الحاجة عنه تعالى وإثباته غنيّا
اعلم أنّ الحاجة إنّما تتعلّق باجتلاب المنافع أو دفع المضارّ ، والمنافع هي اللذّات والسرور ، وما أدّى إليهما أو إلى أحدهما ، إذا لم يعقب ضررا يوفى على ذلك .
والمضارّ هي الآلام أو الغموم وما يؤدّي إليهما أو إلى أحدهما ، إذا لم يعقب نفعا أعظم منه ، والملتذّ إنّما يكون ملتذّا بإدراك ما يشتهيه ، والألم يكن ألما بإدراك ما ينفر عنه والسرور إنّما يسرّ بأن يعلم أو يعتقد أو يظنّ وصول نفع إليه أو اندفاع ضرر عنه وأنّ ذلك سيكون ، والمغتمّ يوصف بذلك إذا علم أو اعتقد أو ظنّ وصول ضرر إليه أو فوت نفع حاصل وأنّ ذلك سيكون .
فمن لا يجوز عليه الشهوة والنفار لا يجوز أن يكون ملتذّا ولا آلما ، ومن لا يجوز عليه اللّذة والألم ، لا يجوز عليه المنافع والمضارّ وما يجري مجراها من السرور والغمّ ، ومن لا يجوز عليه المنافع والمضار ، انتفت الحاجة عنه وكان غنيّا ؛ لأنّ الغنيّ هو الحيّ الذي « 1 » ليس بمحتاج .
والذي يدلّ على أنّ الشهوة لا تجوز على القديم تعالى ، أنّها لو جازت لم تخل من أن يكون مشتهيا بنفسه أو بشهوة قديمة أو محدثة .
فلو كان كذلك لنفسه أو لمعنى قديم ، لوجب أن يكون ملجأ « 2 » إلى خلق المشتهي ، فكان يجب من ذلك أن يكون فاعلا لأزيد من كلّ قدر فعله ، ويجب أيضا أن يكون فاعلا قبل أن فعل ، وكانت أفعاله من المشتهيات لا يستقرّ على قدر بعينه ولا وقت بعينه .
ولو كان مشتهيا بشهوة محدثة ، لوجب أن يكون من فعله ، وأن يكون في حكم الملجئ إلى فعلها أو فعل المشتهي جميعا .
وليس يجوز أن يكون نافرا ، [ و ] لا يخلو لو جاز ذلك ، من أن يستحقّ تلك الصفة لنفسه أو لمعنى قديم أو لمعنى محدث .
ولا يجوز أن يكون نافرا لنفسه ؛ لأنّه كان يجب أن يكون نافرا عن جميع المدركات ،
هامش
( 1 ) . في الأصل : هو الذي الحي .
( 2 ) . في الأصل : الملجى .